مقدمة: جلالة الميثاق وعمق الرابطة
إن المتأمل في نصوص الوحيين، كتاباً وسنة، يجد أن الإسلام لم ينظر إلى العلاقة الزوجية بوصفها عقداً مدنياً جافاً قائماً على تبادل المنافع المادية فحسب، بل ارتقى بها لتكون آية من آيات الله في الكون، ورباطاً مقدساً وسمه الخالق بـ “الميثاق الغليظ”. يقول الله تبارك وتعالى: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء: 21]. وهذا الوصف لم يرد في القرآن الكريم إلا في مواضع نادرة تتعلق بعهود الأنبياء العظام، مما يشير إلى عظم المسؤولية وقدسية الارتباط.
إن هذا المقال يسعى لتأصيل “نسق التكامل الزوجي”، وهو المفهوم الذي يتجاوز النظرة الحقوقية الضيقة (ما لي وما عليك) إلى فضاء الرحابة التشاركية (نحن وبناء البيت)، مستعرضاً أثر هذا الفقه في صيانة الأسرة من التفكك وحمايتها في ظل المتغيرات المعاصرة.
أولاً: فلسفة التكامل لا التنافس
يقوم الفكر الإسلامي في بناء الأسرة على مبدأ التكامل الوظيفي والعاطفي، لا على الندية الصراعية. فالرجل والمرأة في المنظور القرآني هما شطران لنفس واحدة، يكمل أحدهما الآخر ليشكلا وحدة بنائية متماسكة. يقول الله عز وجل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21].
إن قوله تعالى (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) يشير إلى أن الأصل في الزواج هو الاستقرار النفسي والروحي. وهذا السكن لا يتحقق إلا إذا فقه الزوجان أن الحقوق والواجبات ليست قيوداً، بل هي أدوات تشاركية لتسيير سفينة الحياة. فالتكامل يعني أن يسد نقص أحدهما كمال الآخر، وأن تذوب الأنا الفردية في سبيل “نحن” الأسرية.
ثانياً: فقه الحقوق التشاركية.. ما وراء النصوص الجامدة
بينما يكتفي الفقه التقليدي ببيان الواجبات العينية لكل طرف، فإن فقه الحقوق التشاركية يغوص في روح المقاصد الشرعية. هو فقه لا يكتفي بالحد الأدنى من الواجب، بل يستهدف “الإحسان” الذي هو ذروة التعامل الإسلامي. ويمكن تلخيص ركائز هذا الفقه في النقاط التالية:
- المشاركة الوجدانية: وهي استشعار آلام وآمال الطرف الآخر، اقتداءً بالنبي ﷺ الذي كان أرحم الناس بأهله، وكان يقول: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي” (رواه الترمذي).
- التشاور في القرار: إن صيانة الميثاق الغليظ تتطلب إشراك الطرفين في صناعة القرار المنزلي، وهو ما جسده الوحي في قوله تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) [البقرة: 233]، فإذا كان الفطام يتطلب تشاوراً، فكيف بما هو أعظم من شؤون الحياة؟
- التكامل المالي والتعاون المعيشي: رغم استقلالية الذمة المالية للمرأة في الإسلام، إلا أن روح التشارك تقتضي التعاون عند الأزمات، وهو باب من أبواب الصدقة والبر، كما في حديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما في صدقتها على زوجها.
ثالثاً: المودة والرحمة.. صمامات أمان الميثاق الغليظ
لا يمكن لنسق التكامل أن يستقيم دون ركيزتي المودة والرحمة. المودة هي الحب في حال الرخاء، والرحمة هي الحب في حال الشدة والمرض والعجز. إن الشريعة الإسلامية جعلت من حسن العشرة عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم” (رواه أحمد).
إن صيانة الميثاق الغليظ تقتضي التغافل عن الزلات، والنظر إلى المحاسن عند وقوع الهفوات. يقول النبي ﷺ: “لَا يَفْرَكْ (أي لا يبغض) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ” (رواه مسلم). وهذا التوجيه النبوي هو قمة فقه التعايش والتكامل، حيث يدفع بالزوجين نحو استدامة العشرة بدل التفكير في الانفصال عند أول عقبة.
رابعاً: أثر التكامل في حماية الجيل المسلم
إن الأسرة التي تقوم على فقه الحقوق التشاركية توفر بيئة نفسية آمنة لتربية الأبناء. فالطفل الذي ينشأ في بيت يرى فيه التكامل بين والديه، يتعلم قيم الاحترام والمسؤولية والشورى عملياً لا نظرياً. إن صيانة الميثاق الغليظ ليست مصلحة للزوجين فحسب، بل هي حماية للمجتمع بأسره؛ لأن الأسرة هي اللبنة الأولى، فإذا تماسكت اللبنة، قوي البناء.
إن غياب هذا النسق التكاملي وظهور النزعات الفردية داخل الأسرة هو السبب الرئيس وراء ارتفاع نسب الطلاق في المجتمعات المعاصرة. فالخروج من فضاء “الميثاق الغليظ” إلى فضاء “العقد المادي” يجعل من السهل نقض العهد عند أدنى اختلاف مصلحي.
خامساً: تطبيقات عملية من الهدي النبوي
كان النبي ﷺ نموذجاً حياً للتكامل الزوجي. فعندما سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: “كان يكون في مهنة أهله – تعني خدمة أهله – فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة” (رواه البخاري). هذا الحديث ينسف المفاهيم الخاطئة التي ترى في مشاركة الرجل في أعباء المنزل نقصاً من رجولته، بل هو كمال في الإيمان وامتثال لروح الميثاق الغليظ.
كذلك نجد استشارته ﷺ لأم سلمة في صلح الحديبية، وأخذه برأيها الذي أنقذ الصحابة من فتنة عظيمة، مما يؤكد أن الحقوق التشاركية تشمل العقل والفكر والمشورة، وليست مجرد عواطف ومشاعر.
خاتمة: نحو رؤية تجديدية لعلاقاتنا الأسرية
في الختام، إن العودة إلى نسق التكامل الزوجي وفهم فقه الحقوق التشاركية هو المخرج الوحيد للأزمات الأسرية المعاصرة. إن الميثاق الغليظ ليس مجرد كلمات تُنطق عند العقد، بل هو منهج حياة يقوم على التقوى والإحسان. يقول تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 237].
على الأزواج والزوجات أن يدركوا أن بناء بيت مسلم مستقر هو جهاد مستمر، يتطلب الصبر، والتغافل، والبذل، واستشعار مراقبة الله في كل سكنة وحركة. فليكن شعارنا في بيوتنا: “تكاملٌ يشد بعضه بعضاً، وصيانةٌ لميثاقٍ عقده الله في سمائه، وباركه في أرضه”، لتبقى الأسرة المسلمة منارة للقيم، وحصناً منيعاً للدين والخلق.

اترك تعليقاً