# نعمة الأعداء: حين يكون الخصم طريقاً نحو الارتقاء والسكينة
مقدمة: في رحاب المحنة تولد المنحة
بين طيات الأقدار الإلهية، وتحت ظلال الابتلاءات التي يواجهها المرء في مسيرته، تكمن أسرارٌ عميقة قد لا تدركها الأبصار للوهلة الأولى. ومن أعجب هذه الأسرار ما يمكن أن نسميه “فلسفة العداء”. ففي الوقت الذي يسعى فيه عامة الناس إلى طلب السلامة المطلقة والود الجامع مع كافة الخلق، يبرز مفهومٌ مغاير يرى في وجود الأعداء والخصوم منحةً ربانية، ونعمةً تستوجب الشكر لا الضجر. إن العداء، حين يكون في الله ولأجل الحق، ليس مجرد صراعٍ عابر، بل هو بوتقة تنصهر فيها الروح لتخرج أكثر نقاءً وصلابة.
إن ثمة صنفاً من البشر لا يعبأ الله بهم في موازين التمحيص والترقية، أولئك الذين لم يرزقهم الله أعداءً فيه، ولم يختبر صدق ثباتهم في ميادين المواجهة. هؤلاء محرومون من تلك السكينة العجيبة التي تنطوي داخل المواجهات الكبرى، وممنوعون من فرصة “ترقية الشخصية” التي لا تتم إلا على إيقاع العداوة المنضبطة بضوابط الشرع والعقل.
خطر التربية الحديثة: صناعة “المسخ” الباحث عن الإعجاب
يصعب فهم هذه الفكرة في ظل منظومة التربية الحديثة التي هيمنت على العقول في العصر الراهن. هذه التربية التي جعلت من “تجنب العداء” و”الحرص على نيل رضا الجميع” مركزاً تدور حوله كل القيم. إنها تربية تكرس فكرة أن المرء يجب أن يكون محبوباً من الكل، مقبولاً من الجميع، لا يثير حفيظة أحد، ولا يقف موقفاً قد يجلب عليه سخطاً أو نقدأ.
ونتيجة هذه التربية المشوهة هي تحول الإنسان إلى “مسخٍ” معنوي، كائنٍ هلامي لا ملامح له، يسعى لإثارة الإعجاب على الدوام. إننا نرى هذه الكائنات منتشرةً بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يتحول الفرد إلى مجرد صورة تطلب “الإعجاب” (Like)، وكلمة تنشد الثناء. وحتى الآن، لا يزال خطر هؤلاء محدوداً في إطار التفاهة الرقمية، لكن الكارثة الكبرى تقع حين يتغلغل هذا النمط في بنية الشخصية الإنسانية العميقة.
سقوط الشخصية في فخ “المهرج” الرقمي
حين يرتدي المرء عباءة “المهرج” ليرضي الجماهير ويتجنب عداوة أي طرف، فإنه يدخل في دوامة من التنازلات المتلاحقة. يبدأ الأمر بالتنازل عن حدة أفكاره الخاصة لجعلها “مستساغة”، ثم يتطور إلى فقدان الأفكار ذاتها لصالح ما يطلبه المتابعون أو المجتمع.
بعد فترة من لعبه لهذا الدور، يخسر الإنسان أثمن ما يملك:
1. خسارة الأفكار: حيث تذوب المبادئ في بحر المداهنة.
2. خسارة الشخصية: حيث يصبح صدىً لأصوات الآخرين لا صوتاً مستقلاً.
3. خسارة المعجبين: لأن الناس، بفطرتهم، يحتقرون من لا يملك ثباتاً، فينفضون عنه بمجرد ظهور “مهرج” جديد.
وعندما يصل إلى هذه المرحلة من الإفلاس النفسي، يبدأ بالدفاع عن نفسه بطريقة عكسية مشوهة؛ فيتحول من باحث عن الحب إلى حاقدٍ ناقم، يدافع عن خيبته بكره الناس بالعموم واحتقارهم، وهي نتيجة حتمية لكل من بنى قيمته على رمال رضا الخلق المتحركة.
رؤية الإمام ابن حزم: العداء دليل على استحقاق النعمة
لقد صاغ الإمام العظيم ابن حزم الأندلسي هذه الحقيقة بعبارة تقطر حكمة في كتابه الفذ “الأخلاق والسِّيَر”، حيث قال:
> “فإن لم يكن لك عدوٌّ فلا خير فيك، ولا منزلة أسقط من منزلة مَن لا عدوَّ له؛ فليست إلا منزلة مَن ليس لله تعالى عنده نعمةٌ يُحسَدُ عليها، عافانا الله”.
هذا النص يقلب الموازين الذهنية السائدة؛ فالعداء هنا ليس علامة سوء خلق بالضرورة، بل هو مؤشر على وجود “نعمة” تستحق الحسد والمنافسة. إن الإنسان الذي لا يملك أعداءً هو غالباً إنسان خامل، لا أثر له، ولا موقف يتبناه، ولا قيمة يدافع عنها. فالحق دائماً له خصوم، والتميز أبداً له حُسّاد. فإذا خلت حياتك من معارض أو مناوئ، فراجع نفسك؛ فلعلك أصبحت من الهوان بحيث لم يعد يراك أحدٌ جديراً بالمواجهة.
العدو كمرآة: كيف يحررك خصمك من عيوبك؟
يحتاج المرء لعدوٍّ لكي يتحرر من صفاته السلبية بطريقة لا يمكن للصديق أن يوفرها. الصديق قد يجاملك، أو يغض الطرف عن هفواتك حياءً أو محبة، أما العدو فهو “رادار” دقيق يرصد سقطاتك، ويبحث عن ثغراتك.
إن وجود العدو يفرض على الإنسان حالة من “اليقظة الأخلاقية” المستمرة، حيث:
- التدقيق في السلوك: تصبح أكثر حرصاً على ألا تقع في خطأ يُشمت بك فيه.
- ترقية الشخصية: تسعى لتجاوز نقاط ضعفك لكي لا تكون ثغرة ينفذ منها خصمك.
- التحرر من العيوب: الرغبة في التفوق على العدو تدفعك للتخلص من الرذائل التي قد تمنحه نصراً معنوياً عليك.
إذ لا يمكن أن تترقى الشخصية الإنسانية وتصل إلى مراتب الكمال البشري دون وجود نماذج تحتقرها النفس المؤمنة وترغب بشدة في تجاوزها والتميز عنها. هذا التدافع هو المحرك الأساسي للتزكية والنمو.
المنهج القرآني: لماذا قصَّ الله علينا أخبار بني إسرائيل؟
إن هذه الفكرة الجوهرية حول ضرورة وجود “الآخر” أو “العدو” لصناعة الشخصية السوية، هي الأساس في الحضور الكثيف والمفصل لقصص بني إسرائيل في القرآن الكريم. لم يكن ذكرهم لمجرد السرد التاريخي، بل ليكونوا النموذج “العدو” الذي يجب أن نتأمله لنحذر من السقوط في مزالقه.
لقد عرض القرآن الكريم نفسية العدو، وتقلباته، وجحوده، وعناده، ليكون ذلك مرآة للمؤمنين. إننا نحتاج إلى رؤية “النموذج السلبي” متجسداً أمامنا لنعرف كيف نتجنبه. إن بني إسرائيل في القرآن يمثلون تلك الشخصية التي أوتيت العلم فضيعته، وأوتيت النعمة فكفرتها، وهي الشخصية التي يجب على المسلم أن يسعى بكل قوته لكي لا يشبهها.
قاعدة التدبر الذهبية: القرآن بيننا وبين أعدائنا
يُنقل عن أهل التدبر والراسخين في العلم ملاحظة جوهرية تنير البصيرة، حيث يقولون:
> “القرآن نصفه فينا ونصفه في عدوِّنا، والذي في عدوِّنا.. فهو فينا”.
هذه المقولة العميقة تعني أن القرآن الكريم ينقسم إلى قسمين:
1. قسم يتحدث عن صفات المؤمنين: وهو المنهج الذي يجب أن نتمثله.
2. قسم يتحدث عن صفات الأعداء والجاحدين: وهو المنهج الذي يجب أن نحذر منه.
والنكتة الدقيقة هنا هي قوله “والذي في عدونا.. فهو فينا”؛ أي أن الصفات الذميمة التي ذكرها الله في أعدائنا ليست مقصورة عليهم كعرق أو جنس، بل هي أمراض نفسية وسلوكية كامنة في النفس البشرية. فإذا لم نتخذ من هؤلاء الأعداء عبرة، وإذا لم نفهم فلسفة العداء التي تجعلنا نتمايز عنهم، فإننا سنقع حتماً في نفس أمراضهم.
خاتمة: السكينة في قلب المواجهة
إن نعمة الأعداء تكمن في أنها تمنحنا “الوضوح”. في عالم يغلب عليه الرمادي والمداهنة، يأتي العدو ليجبرك على اختيار اللون الأبيض أو الأسود. إن المواجهة الشريفة في سبيل الحق تورث في القلب سكينة لا يعرفها المهرجون الباحثون عن الإعجاب؛ لأنها سكينة نابعة من الثبات على المبدأ، ومن اليقين بأن معية الله تكون مع الذين صدقوا في مواقفهم ولم يخشوا في الله لومة لائم.
فإذا رزقك الله عدواً في حق، فاستبشر؛ فقد رزقك مرآة لعيوبك، ومحفزاً لنموك، ودليلاً على أن فيك من الخير والنعمة ما يستحق أن يُناصب لأجله العداء. عافانا الله وإياكم من منزلة من لا عدو له، وجعلنا ممن يترقون في مدارج الكمال بفضل تمحيص الابتلاء وصبر المواجهة.

اترك تعليقاً