النكبة: قصة تطهير عرقي ممنهج وليست مجرد تاريخ
لم تكن نكبة فلسطين مجرد حدث عابر وقع عام 1948، بل هي عملية تطهير عرقي ممنهجة بدأت قبل ذلك بكثير، واستمرت بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا. لقد سبقتها عقود من المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، والتضييق على الفلسطينيين، ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم، كل ذلك بدعم وغطاء من الاحتلال البريطاني، وتسهيل من دول كبرى سابقة.
المؤتمر الصهيوني الأول: حجر الزاوية في مشروع النكبة
جاءت النكبة بكل ما حملته من قتل وتهجير واستيطان، كنتيجة طبيعية للمؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897. هذا المؤتمر وضع الأسس لمشروع إقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين" تحت حماية القانون العام، وهو ما مهد الطريق لتنفيذ مخطط النكبة على أرض الواقع.
الانتداب البريطاني: البوابة الشرعية لتنفيذ المخطط
بدأ التنفيذ الفعلي لمسار النكبة مع الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917، وإصدار وعد بلفور المشؤوم. لاحقًا، أكدت عصبة الأمم رسميًا مشروع الانتداب البريطاني على فلسطين، مما أعطى غطاءً قانونيًا للمشروع الاستيطاني.
النكبة الممتدة: أشكال متعددة من التطهير العرقي
من الخطأ اختزال النكبة في أحداث عام 1948 فقط. إنها "نكبة ممتدة" تتخذ أشكالًا مختلفة:
- سياسية وأمنية: من خلال الضغط المستمر على الفلسطينيين، والاقتحامات، والاعتقالات، والعقوبات الجماعية.
- ثقافية: من خلال محاولات نزع الهوية، ومحو التراث الفلسطيني.
- اقتصادية: من خلال فرض الغرامات، ومصادرة الأراضي، والتضييق على سبل العيش.
رسالة بن غوريون: دليل على النوايا المبيتة
لتأكيد فكرة التطهير العرقي، كتب ديفيد بن غوريون رسالة إلى ابنه عام 1937، كاشفًا عن النوايا المبيتة لطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. هذه الرسالة، وغيرها من الشواهد، تؤكد أن النكبة لم تكن مجرد نتيجة حرب، بل كانت جزءًا من مخطط مدروس وممنهج.
الأونروا: وليدة النكبة ورمز للمعاناة
لم تكن وكالة الأونروا لتنشأ لولا عمليات الطرد والتطهير العرقي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني. فقد أدت هذه العمليات إلى تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين، مما استدعى إنشاء وكالة دولية لتقديم المساعدة لهم.
قرارات الأمم المتحدة: حبر على ورق
ورغم القرارات الأممية التي تدعو إلى حق العودة والتعويض، إلا أن هذه القرارات لم تنفذ حتى اليوم، مما يضع شرعية الكيان الصهيوني في موضع تساؤل مستمر.
إفشال دور لجنة التوفيق الدولية: دليل على التعنت
عمل الاحتلال على إفشال دور لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين، التي كانت مهمتها وضع آليات لتطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين. هذا الإفشال يؤكد تعنت الاحتلال وإصراره على عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.
الأونروا: وكالة مؤقتة تحولت إلى مؤسسة دائمة
أنشئت الأونروا في الأصل كوكالة مؤقتة لمدة عام واحد فقط، ولكن مع استمرار النكبة وتفاقم أزمة اللاجئين، تحولت إلى مؤسسة دائمة تقدم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها.
ازدواجية المعايير الدولية: وصمة عار في جبين الأمم المتحدة
بينما نجحت الأمم المتحدة في إعادة ملايين اللاجئين من دول أخرى، فإنها تقف عاجزة عن تطبيق القرار الأممي رقم 194 الخاص بحق العودة للاجئين الفلسطينيين. هذا التناقض الصارخ يكشف عن ازدواجية المعايير الدولية، وخضوع المنظمة الدولية لبطش ونفوذ الاحتلال.
تحديات تواجه الأونروا: نقص التمويل وقصور الخدمات
تواجه الأونروا العديد من التحديات، بما في ذلك نقص التمويل، وقصور الخدمات التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين. فتمويل الوكالة يعتمد على التبرعات الطوعية، مما يجعلها عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية. كما أن الخدمات التي تقدمها الوكالة غير مكتملة، ولا تغطي جميع احتياجات اللاجئين.
الحاجة إلى حماية دولية شاملة للاجئين الفلسطينيين
إن ما يحتاجه اللاجئون الفلسطينيون ليس فقط المساعدات الإنسانية، بل أيضًا الحماية الدولية الشاملة، التي تشمل الحماية القانونية، والفيزيائية، والإغاثية، والسياسية.
لجنة التوفيق الدولية: بديل أكثر شمولية للأونروا
تعتبر "لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين" بديلاً أكثر شمولية للأونروا، حيث عُهِد إليها بمسؤولية توفير الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين بالمعنى الشامل، ووضع آليات تضمن عودتهم إلى ديارهم الأصلية واستعادة ممتلكاتهم.
إنهاء النكبة: ممكن ولكنه يتطلب إرادة دولية
بإمكان الأمم المتحدة أن تُنهي نكبة فلسطين الممتدة، وأن تضع حدًا سياسيًا صارمًا يلجم الاحتلال، من خلال الضغط على الكيان الصهيوني لتحقيق العودة، ولكن ذلك يتطلب إرادة دولية حقيقية، وتغليب قوة الحق على موازين القوى في المطبخ الدولي.


اترك تعليقاً