نماذج العالم: لماذا تُعد “الرهان الأكبر” التالي في مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

نماذج العالم: لماذا تُعد “الرهان الأكبر” التالي في مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

ما وراء اللغات: هل انتهى عصر السيطرة المطلقة للنماذج اللغوية؟

تُعد النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) حجر الزاوية التكنولوجي للذكاء الاصطناعي اليوم؛ فمنصات مثل ChatGPT وGemini تعتمد عليها لإنتاج نصوص طبيعية تظهر على شاشاتنا. لكن، وبحسب الخبراء، قد لا تكون هذه النماذج هي التكنولوجيا الأكثر تأثيراً في المستقبل القريب.

وفي حديثه لبلومبرج خلال المنتدى الاقتصادي العالمي، صرح ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة Google DeepMind، قائلاً: “ستظل النماذج اللغوية الكبيرة مكوناً مهماً للغاية في نظام الذكاء الاصطناعي النهائي، لكن السؤال الوحيد الذي يراودني هو: هل ستكون هي المكون الوحيد؟”.

تعريف نماذج العالم: رقمنة قوانين الفيزياء

يشير هاسابيس إلى أن طفرات تقنية أخرى قادمة لضمان عمل الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي بسلاسة، وأبرز هذه الطفرات هي “نماذج العالم” (World Models). صُممت هذه النماذج لترجمة عالمنا المادي — بما في ذلك قوانين الفيزياء، واكتشاف الأجسام، والحركة — إلى مخطط رقمي يمكن للذكاء الاصطناعي فهمه. فهي أقل اهتماماً بصياغة الكلمات وأكثر تركيزاً على فهم العالم الطبيعي، وهو أمر لا تزال النماذج الحالية تعاني فيه بشكل ملحوظ.

على عكس النماذج اللغوية، لن تتفاعل مع نماذج العالم عبر روبوتات الدردشة التقليدية. وبدلاً من ذلك، ستظهر قدراتها في إنتاج فيديوهات واقعية، وتوجيه الروبوتات الجراحية، وتعزيز قدرات القيادة الذاتية للمركبات. إنها تمثل لبنات البناء الأساسية لتطوير ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي المادي” (Physical AI)؛ وهي التقنية التي لا تفهم عالمنا فحسب، بل يمكنها اتخاذ إجراءات فعلية فيه.

تحول جذري في استراتيجيات عمالقة التكنولوجيا

أشار العديد من رواد الذكاء الاصطناعي إلى تحول واضح نحو بناء نماذج العالم. يان ليكون، أحد أبرز رواد هذا المجال، غادر مؤخراً دوره القيادي في جهود Meta للذكاء الاصطناعي للانضمام إلى شركة ناشئة تركز حصرياً على هذا النوع من النماذج. كما صرحت في-في لي، الملقبة بـ “عرابة الذكاء الاصطناعي”، بأن “الذكاء المكاني” (Spatial Intelligence) — وهو القدرة على فهم البيئة المادية — يمثل الحدث الكبير التالي في ابتكار التكنولوجيا.

وكتبت لي في مدونة مؤخراً: “الذكاء المكاني سيغير طريقة ابتكارنا وتفاعلنا مع العوالم الحقيقية والافتراضية، مما سيحدث ثورة في سرد القصص، والإبداع، والروبوتات، والاكتشافات العلمية وما وراء ذلك”.

دور إنفيديا (Nvidia) والبيانات الاصطناعية

لم يفت جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، تسليط الضوء على نماذج العالم في خطابه بحدث CES 2026. وأكد هوانغ أن بناء نموذج ذكاء اصطناعي يرتكز على قوانين الفيزياء والحقيقة الواقعية يبدأ من البيانات المستخدمة في التدريب.

بينما تعتمد الشركات عادةً على المحتوى البشري، تواجه تحديات قانونية جمة. وهنا تبرز أهمية نماذج العالم التي يمكن بناؤها باستخدام بيانات بشرية ومحاكاة رقمية معاً. هذا النوع من البيانات ضروري لبناء نماذج قادرة على التفكير المنطقي وإصدار أحكام قائمة على السبب والنتيجة.

تستخدم إنفيديا حالياً نموذج العالم الخاص بها، والمسمى “Cosmos”، في تطوير السيارات ذاتية القيادة. وفي عرض توضيحي، أظهرت الشركة كيف يستخدم Cosmos مستشعرات السيارة لفهم موقعها ومواقع السيارات الأخرى لإنشاء فيديو مباشر لمحيطها. يتيح ذلك للمطورين تشغيل سيناريوهات معقدة، مثل حوادث الاصطدام، لمعرفة استجابة المركبة وتحسين معايير السلامة. كما تساهم “البيانات الاصطناعية” (Synthetic Data) في التنبؤ بـ “الحالات الحدّية” (Edge Cases) النادرة التي يصعب رصدها في الواقع.

الخلاصة: ذكاء اصطناعي متجذر في الواقع

مع استمرار تغلغل الذكاء الاصطناعي في حياتنا الرقمية، يصبح من الضروري أن يفهم هذا الذكاء عالمنا المادي بدلاً من الاستمرار في الوقوع في فخ “الهلوسة” (Hallucinations) والأخطاء المنطقية. إن الأبحاث والاستثمارات المتجددة في الذكاء المكاني ونماذج العالم تؤكد أن الصناعة لا تكتفي ببناء المزيد من روبوتات الدردشة، بل تعمل على بناء ذكاء اصطناعي متجذر في واقعنا، وليس العكس.

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *