بحلول شتاء عام 2025، لم يعد الحديث عن تراجع النظام الدولي مجرد تكهنات أكاديمية، بل أصبح واقعاً ملموساً فرض نفسه على الساحة العالمية. لقد شهد هذا العام الفصل الأخير من حقبة "الليبرالية الدولية" التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ليحل محلها نظام عالمي جديد وُصف بـ "عالم بلا دفة"، حيث تخلت القوى العظمى عن القواعد المشتركة لصالح أجندات توسعية ومصالح قومية ضيقة.
الزلزال الجيوسياسي: واشنطن من "ضامن" إلى "مُراجع" للنظام
تمثل التحول الأبرز في عام 2025 في تغيير الحسابات الإستراتيجية للولايات المتحدة. فمع بداية ولاية ثانية للرئيس ترامب، تحولت واشنطن من القوة التي صاغت وحمت النظام الدولي إلى أكبر قوة "مراجعة" تهدف لتفكيكه.
وفقاً لإستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، تم اعتبار النظام القائم على القواعد "سلاحاً" استُخدم ضد المصالح الأمريكية. وبناءً على ذلك، تم تبني مبدأ "الواقعية المرنة"، الذي أطاح بمفاهيم مثل "نشر الديمقراطية" أو "حماية حقوق الإنسان"، معتبراً إياها أعباءً عالمية لا تخدم المصلحة الوطنية المباشرة.
شلل المؤسسات الدولية
أدى هذا التحول إلى شلل تام في ركائز التعاون العالمي:
- مجلس الأمن: غرق في دوامة "الفيتو" المتبادل.
- منظمة الصحة العالمية: واجهت أزمة وجودية بعد الانسحاب الأمريكي.
- منظمة التجارة العالمية: تعطلت تماماً بسبب عرقلة التعيينات في هيئاتها القضائية.
"مبدأ دونرو": عودة مناطق النفوذ والسيادة الإقليمية
أعلن الرئيس ترامب عما أطلق عليه المراقبون "ملحق ترامب" لمبدأ مونرو (أو مبدأ دونرو)، وهو ما يمثل عودة صريحة لسياسات القرن التاسع عشر بأسلحة تكنولوجية حديثة. تعتبر هذه العقيدة أن نصف الكرة الغربي منطقة امتياز أمريكية خالصة، يُمنع فيها المنافسون (خاصة الصين) من أي تواجد عسكري أو سيطرة اقتصادية.
ولم يقتصر الأمر على النفوذ السياسي، بل امتد لمطالبات إقليمية شملت:
- غرينلاند: كأصل إستراتيجي حيوي.
- الجرف القاري الممتد: في القطب الشمالي وبحر بيرنغ.
- المناطق الاقتصادية الخالصة: في المحيط الهادئ.
عملية مادورو: "تجريم السيادة" كأداة للتدخل
في 3 يناير 2026، جسدت عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ملامح التدخل العسكري في النظام الجديد. لم تكن مجرد عملية "تغيير نظام"، بل كانت نموذجاً لفرض القوة الفائقة:
- الجانب العسكري: شاركت فيها 150 طائرة وقوات "دلتا"، مع تعطيل كامل لشبكة الكهرباء والدفاعات الجوية.
- تجاوز الشرعية: تمت العملية دون الرجوع لمجلس الأمن أو حتى التشاور مع الحلفاء والكونغرس.
- البعد الاقتصادي: أعلن ترامب صراحة أن الهدف هو سيطرة شركات النفط الأمريكية على البنية التحتية للطاقة في فنزويلا.
هذه الحادثة كرست مفهوم "تجريم السيادة"، حيث يتم تجريد القادة من حصانتهم الدبلوماسية عبر تصنيف حكوماتهم كـ "منظمات إجرامية"، مما يشرعن استهدافهم تحت غطاء إنفاذ القانون.
توريق الاقتصاد والسيادة الرقمية
في هذا العالم المتشرذم، لم تعد التجارة تخضع لقوانين السوق الحرة، بل لسياسة "التوريق" (Securitization)، حيث أصبحت سلاسل التوريد سلاحاً لانتزاع التنازلات السياسية.
أبرز سمات الاقتصاد العالمي الجديد:
- تعريفات "يوم التحرير": ضرائب جمركية شاملة استخدمتها واشنطن للضغط في ملفات الهجرة والرقابة.
- من "الوقت المناسب" إلى "حالة الطوارئ": تحول الإنتاج العالمي نحو الاكتفاء الذاتي وتأمين المعادن الحيوية.
- الحروب الرقمية: انقسام العالم إلى مجالين تكنولوجيين تقودهما واشنطن وبكين، مما أجبر الدول على الصراع من أجل "السيادة الرقمية" لتجنب التبعية التقنية.
الفراغ الإنساني وصعود "الوحوش"
أدى تفكيك وكالات الإغاثة الدولية (مثل USAID) وخفض المساعدات في عام 2025 إلى ما يُعرف بـ "ركود المساعدات الكبرى". تسبب هذا الفراغ في:
- حرمان 25 مليون شخص من المساعدات المنقذة للحياة.


اترك تعليقاً