رحلة قصيرة ونهاية متوقعة لـ “آلة الهراء”
أعلنت شركة OpenAI يوم الثلاثاء الماضي عن إيقاف تطبيق Sora، أداة إنشاء الفيديو بالذكاء الاصطناعي التي أحدثت ضجة هائلة عند إطلاقها، وذلك بعد 176 يوماً (حوالي 6 أشهر) فقط من ظهورها الأول. طرح هذا المشروع سؤالاً شجاعاً منذ البداية: هل نحتاج حقاً إلى هذه الأداة؟ وللمرة الأولى، توصلت الشركة إلى الإجابة الصحيحة: لا، لسنا بحاجة إليها.
يعد هذا أكبر مشروع عام تقوم OpenAI بإلغائه حتى الآن. ورغم أن هذه الخطوة تعكس نقصاً في الثقة بقطاع الوسائط التوليدية، إلا أنني لا أرى فيها مؤشراً على انهيار صناعة الذكاء الاصطناعي بوجه عام. القصة الحقيقية أعمق بكثير من مجرد فشل تقني.
تخبط الهوية: بين الأداة الاحترافية ومنصة التواصل الاجتماعي
لو أرادت OpenAI بناء أفضل أداة فيديو أو ابتكار نوع جديد من وسائل التواصل الاجتماعي، لكان بإمكانها فعل ذلك. لكن Sora كان مشروعاً هجيناً وغريباً؛ فالجيل الثاني من النموذج كان مبهراً تقنياً، لكن التطبيق نفسه كان مشتتاً؛ نصفه ذكاء اصطناعي ونصفه الآخر منصة تواصل اجتماعي، والنتيجة النهائية كانت محتوىً يفتقر للمصداقية.
أياً كان ما أراد Sora أن يكونه، فإنه لم يرتقِ أبداً إلى مستوى التوقعات. ومع ذلك، هناك دروس مستفادة من صعوده السريع وموته المفاجئ. ورغم احتمالية تراجع الشركة عن قرارها (كما فعلت Meta مع الميتافيرس)، إلا أن بقاء هذا المشروع ميتاً سيكون أفضل لنا جميعاً ولحقبة الذكاء الاصطناعي التي نعيشها.
التكلفة الباهظة والمخاطر القانونية
السر المظلم للوسائط التوليدية هو أنها مكلفة للغاية. يتطلب الأمر جهداً هائلاً من المطورين لإنشاء نموذج لا يبصق نتائج محرجة، كما أنها تستهلك موارد حوسبية (Compute) ضخمة لمعالجة الفيديوهات المعقدة مقارنة بالنصوص البسيطة. أضف إلى ذلك الجدل القانوني؛ فخطر التعرض لدعاوى انتهاك حقوق الطبع والنشر يلوح دائماً في الأفق.
لم تستثمر OpenAI الموارد الكافية لتحويل Sora إلى أداة احترافية. وبينما كانت Sora 2 تقدم مرئيات وصوتيات جيدة، إلا أنها افتقرت لأدوات التحرير السهلة. وفي المقابل، نجد أن جوجل طورت برنامج تحرير احترافي لأدواتها (Flow)، وقامت Adobe بدمج الذكاء الاصطناعي في برامجها القياسية، مما جعل Sora يبدو محدوداً داخل تطبيقه الخاص.
فشل في خلق هوية ثقافية
كان من الغريب دخول OpenAI في مجال التواصل الاجتماعي. إدارة منصة اجتماعية تتطلب قرارات أخلاقية صعبة ومراقبة محتوى (Content Moderation) معقدة، وهي مهمة كادت أن تطيح بـ Meta أكثر من مرة. يبدو أن سام ألتمان لم يكن مهتماً حقاً بأن يصبح النسخة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من مارك زوكربيرج.
لم يطور Sora شخصية اجتماعية حقيقية، ولم يشهد لحظات اختراق ثقافي مثل رقصات TikTok. وحتى صفقة المليار دولار مع ديزني لإنتاج فيديوهات قانونية لشخصيات مشهورة لم تكن كافية لإنقاذه؛ فالعالم لن يفتقد المزيد من فيديوهات “سبايدرمان” المولدة آلياً.
نحو ذكاء اصطناعي نافع حقاً
إن إيقاف Sora يمنح OpenAI الفرصة للتركيز على الهدف الأسمى للشركات التقنية: الذكاء الاصطناعي المفيد (Useful AI). إذا كان عام 2025 هو عام الصور والفيديوهات، فإن عام 2026 هو عام الذكاء الاصطناعي الذي ينجز المهام، خاصة في بيئة العمل؛ مثل الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، ووكلاء البرمجة، والروبوتات.
لقد أشعلت شركة Anthropic المنافسة بأدواتها (Claude Code) و (Cowork)، مما أثبت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة عمل جادة. وبحسب التقارير، فإن OpenAI قررت تقليص “المهام الجانبية” للتركيز على أدوات الأعمال التي تدر دخلاً حقيقياً. ففي نهاية المطاف، فيديوهات الميمز ليست أولوية قصوى مقارنة بإنشاء قيمة حقيقية تتجاوز المعلومات المليئة بالأخطاء أو الرفقاء الرومانسيين الوهميين.
كلمة أخيرة
يحب الجميع الحديث عن سرعة قطاع الذكاء الاصطناعي وشعاره الدائم “تحرك بسرعة وحطم الأشياء”. ولكن إذا كان أحد الأشياء التي سيحطمها هذا القطاع هو الأدوات عديمة الفائدة التي صنعها في السنوات الماضية، فنحن جميعاً الرابحون. إن الخطوة الأولى للتخلص من “غثاء” الذكاء الاصطناعي في هواتفنا وثقافتنا هي الاعتراف بأننا ببساطة… لا نحتاجه.
المصدر: CNET


اترك تعليقاً