مقدمة: ثورة الجينوم والتحدي القيمي المعاصر
يعيش العالم اليوم إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة، التي لم تكتفِ باقتحام عوالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بل نفذت إلى عمق الخلية الإنسانية عبر ما يُعرف بـ “الهندسة الوراثية”. إن التطور الهائل في تقنيات التعديل الجيني، وعلى رأسها تقنية “كريسبر” (CRISPR-Cas9)، قد فتح آفاقاً كانت تندرج سابقاً تحت بند الخيال العلمي؛ فأصبح بإمكان العلماء اليوم قصّ الجينات المعيبة واستبدالها بأخرى سليمة.
ومع هذا الانفتاح العلمي المتسارع، برزت “نوازل” فقهية معقدة تستدعي وقفة تأمل عميقة من علماء الشريعة والمختصين؛ فبين يد الشفاء التي تمتد لتمسح آلام الأمراض الوراثية، وبين يد “العبث” التي قد تحاول تغيير الفطرة البشرية أو صناعة “الإنسان المتفوق”، تبرز الحاجة الماسة إلى وضع ضوابط شرعية ومقاصدية تحكم هذا المسار، انطلاقاً من تكريم الله عز وجل لهذا الإنسان، حيث قال في محكم تنزيله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].
أولاً: الرؤية الإسلامية للعلم والبحث الوراثي
الإسلام ليس ديناً يعادي العلم أو يضع القيود أمام كشف أسرار الكون، بل هو المحفز الأول على التفكر في خلق الله. إن دراسة الجينات البشرية تقع في صلب قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]. ومن هنا، ينظر الفقه الإسلامي إلى الهندسة الوراثية كأداة ذات حدين، تُقاس شرعية استخدامها بمقدار ما تحققه من مصالح وما تدرؤه من مفاسد.
الأصل في الأشياء النافعة الإباحة، والبحث العلمي في الخصائص الوراثية لغرض التداوي هو نوع من السعي الذي أذن الله به. فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: “نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً” (رواه الترمذي). وهذا الحديث يمثل المظلة الشرعية الكبرى لكل التقنيات العلاجية الحديثة، بما فيها التعديل الجيني الهادف لإزالة العيوب الوراثية.
ثانياً: التعديل الجيني بين “التداوي” و”تغيير خلق الله”
هذا هو المحور الأخطر في دراسة النوازل الوراثية، حيث يجب التفريق بدقة بين نوعين من التدخل الجيني:
1. التعديل الجيني العلاجي (Therapeutic Editing)
وهو التدخل الذي يستهدف علاج مرض وراثي محدد (مثل أنيميا الخلايا المنجلية أو الضمور العضلي). هذا النوع يتفق مع مقاصد الشريعة في “حفظ النفس”، ويُعد من باب التداوي المشروع، بل قد يرتقي لدرجة الوجوب الكفائي للأمة في البحث عن حلول لأمراض تفتك بالبشرية.
2. التعديل الجيني التحسيني (Enhancement Editing)
وهو التدخل الذي يهدف إلى تحسين صفات طبيعية لا علاقة لها بالمرض، مثل اختيار لون العينين، أو زيادة الطول، أو تعزيز الذكاء، أو ما يُعرف بـ “الأطفال المصممين” (Designer Babies). هنا يقف الفقه الإسلامي موقف الحزم والمنع؛ لأن هذا النوع يدخل في باب “تغيير خلق الله” المذموم، والذي توعد الشيطان بأن يأمر به بني آدم في قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]. كما أن هذا التوجه يفتح باب الطبقية البيولوجية ويخل بمبدأ العدالة والمساواة الإنسانية.
ثالثاً: الضوابط المقاصدية للهندسة الوراثية
لاستنباط الأحكام الفقهية في النوازل الوراثية، يرتكز الفقهاء على “المقاصد الضرورية الخمس”، ويبرز هنا ثلاثة مقاصد أساسية:
- حفظ النفس: من خلال منع الأمراض الوراثية الفتاكة وتخفيف الآلام، وهو ما يجعل التعديل الجيني في الخلايا الجسدية (Somatic Cells) متاحاً بل ومندوباً عند الضرورة.
- حفظ النسل: وهذا المقصد يقتضي الحذر الشديد عند التعامل مع الخلايا التناسلية (Germline)، لأن أي خطأ في التعديل الجيني في هذا المستوى سينتقل إلى الأجيال القادمة، مما قد يؤدي إلى “اختلاط الأنساب” أو ظهور تشوهات وراثية لا يمكن السيطرة عليها.
- حفظ الدين: بحماية الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومنع الإنسان من تجاوز حدود العبودية ومحاولة “لعب دور الخالق” عبر التلاعب بالشيفرة الوراثية دون حاجة طبية معتبرة.
رابعاً: ضوابط إباحة تقنيات التعديل الجيني
كي يكون التدخل الجيني البشري مقبولاً من الناحية الشرعية، يجب أن يخضع لمجموعة من الشروط الصارمة التي قررتها المجامع الفقهية (كمجمع الفقه الإسلامي الدولي):
1. التحقق من المصلحة الغالبة
يجب أن تكون الفائدة المرجوة من التعديل الجيني حقيقية وعظيمة، وليست مجرد احتمالات، وأن تكون المفسدة المترتبة عليها أقل بكثير من المصلحة المحققة، إعمالاً لقاعدة: “المشقة تجلب التيسير” وقاعدة “الضرر يُزال”.
2. قصر التعديل على الخلايا الجسدية
يميل أغلب الفقهاء المعاصرين إلى إباحة التعديل الجيني في الخلايا الجسدية (التي لا تورث صفاتها) ومنعه في الخلايا التناسلية أو الأجنة في مراحلها الأولى، وذلك لدرء المفاسد غير المتوقعة عن الأجيال القادمة، وهو ما يُعرف بـ “سد الذرائع”.
3. الأمان الطبي والحيوي
لا يجوز شرعاً الإقدام على تجربة جينية ما لم يتم التأكد طبياً من سلامتها وخلوها من الآثار الجانبية المدمرة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ” (رواه ابن ماجه).
4. احترام كرامة الإنسان وخصوصيته الوراثية
المعلومات الجينية للإنسان هي “سر من أسراره”، ولا يجوز استخدام تقنيات الهندسة الوراثية للتمييز بين البشر أو انتهاك خصوصياتهم، أو تحويل الجسد البشري إلى سلعة تجارية.
خامساً: المسؤولية الأخلاقية والشرعية للعلماء
إن العلماء والباحثين في مجال الجينوم يحملون أمانة ثقيلة؛ فالقوة التي تمنحها هذه التقنيات تتطلب ورعاً تقوياً وضبطاً قانونياً. إن “الأنسنة” في العلم تعني أن يظل العلم خادماً للإنسان لا سيداً عليه، وأن يلتزم المختصون بالشفافية والرقابة المجتمعية والشرعية، بعيداً عن أطماع الشركات الرأسمالية التي قد تضحي بالقيم الأخلاقية في سبيل الأرباح.
خاتمة: نحو رؤية إسلامية متوازنة
في الختام، إن الهندسة الوراثية “نازلة” من كبرى نوازل العصر، تتطلب تكاتفاً بين علماء الشريعة وعلماء البيولوجيا. إن موقف الإسلام وسطي ومعتدل؛ فهو يرحب بكل تقنية تداوي جراح البشرية وتعالج أمراضها المستعصية، ولكنه يضع “خطوطاً حمراء” أمام أي محاولة للعبث بالهوية الإنسانية أو تغيير الفطرة الربانية.
إن الالتزام بالضوابط الشرعية والمقاصدية ليس عائقاً أمام التقدم، بل هو صمام أمان يضمن أن يظل العلم رحمة للعالمين، وليس وبالاً عليهم. فالتحدي الحقيقي ليس في قدرتنا على تعديل الجينات، بل في قدرتنا على الحفاظ على “إنسانيتنا” وقيمنا في عصر يتسارع فيه العلم نحو المجهول. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].

اترك تعليقاً