هل اقتربنا من «الكأس المقدسة» للحوسبة الكمية؟ الكشف عن آفاق جديدة للموصلات الفائقة «الثلاثية»

هل اقتربنا من «الكأس المقدسة» للحوسبة الكمية؟ الكشف عن آفاق جديدة للموصلات الفائقة «الثلاثية»

مقدمة: البحث عن الكفاءة المطلقة في نقل المعلومات

في عالم فيزياء الحالة الصلبة، يمثل العثور على مادة تعمل كـ «موصل فائق ثلاثي» (Triplet Superconductor) ما يشبه العثور على «الكأس المقدسة». لطالما حلم العلماء بمواد لا تسمح فقط بمرور التيار الكهربائي دون مقاومة، بل تتيح أيضاً نقل المعلومات عبر خاصية «اللف المغزلي» (Spin) للإلكترونات دون فقدان للطاقة. اليوم، يقترب فريق بحثي دولي، بقيادة البروفيسور جيكوب ليندر من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU)، من تحقيق هذا الحلم، مما قد يقلب موازين التكنولوجيا الكمية المعاصرة.

الفرق الجوهري: الموصلات الفائقة التقليدية مقابل «الثلاثية»

لفهم أهمية هذا الاكتشاف، يجب أولاً التمييز بين الموصلات الفائقة التقليدية، المعروفة بـ «الموصلات الأحادية» (Singlet Superconductors)، وبين النوع «الثلاثي» النادر. في الموصلات التقليدية، تتدفق الكهرباء دون مقاومة قابلة للقياس، مما يعني عدم ضياع الطاقة في صورة حرارة. ومع ذلك، فإن هذه المواد لها عيب جوهري في سياق الحوسبة المتقدمة: الجسيمات الفائقة التوصيل فيها لا تحمل خاصية «اللف المغزلي».

على النقيض من ذلك، تتميز «الموصلات الفائقة الثلاثية» بأن جسيماتها تحمل زوخماً زاوياً ذاتياً أو «سبين». ويوضح البروفيسور ليندر قائلاً: «إن امتلاك الموصلات الثلاثية لهذه الخاصية يعني قدرتنا على نقل تيارات اللف المغزلي (Spin currents) بمقاومة صفرية تماماً، وليس فقط التيارات الكهربائية التقليدية». هذا الاختلاف يفتح الباب أمام نقل المعلومات بسرعة هائلة وباستهلاك طاقة يكاد يكون معدوماً.

سبيكة «النيوبيوم-رينيوم»: المرشح الواعد تحت المجهر

في الدراسة التي نُشرت مؤخراً في دورية Physical Review Letters وحازت على توصية المحررين، ركز الفريق البحثي على سبيكة مكونة من معدنين نادرين هما النيوبيوم والرينيوم (NbRe). أظهرت التجارب التي أُجريت بالتعاون مع باحثين في إيطاليا أن هذه السبيكة تبدي خصائص تتوافق تماماً مع سلوك الموصلات الفائقة الثلاثية.

ما يميز مادة NbRe ليس فقط سلوكها المغناطيسي الفريد، بل قدرتها على الحفاظ على حالة التوصيل الفائق عند درجة حرارة تبلغ 7 كلفن. وبالرغم من أن هذه الدرجة تبدو منخفضة للغاية (حوالي -266 درجة مئوية)، إلا أنها في سياق الموصلات الثلاثية تُعد «مرتفعة» وعملية؛ حيث تتطلب المواد المرشحة الأخرى درجات حرارة تقترب من 1 كلفن فقط، مما يجعل الوصول إليها وتوظيفها تقنياً أكثر صعوبة وتعقيداً.

الأهمية العلمية: استقرار الحوسبة الكمية وعلوم «السبينترونيكس»

تكمن المعضلة الكبرى في الحوسبة الكمية اليوم في «عدم الاستقرار» وصعوبة إجراء العمليات الحسابية بدقة كافية نتيجة تأثر الكيوبيتات (Qubits) بالبيئة المحيطة. هنا يأتي دور الموصلات الفائقة الثلاثية؛ فهي توفر منصة أكثر استقراراً لتقنيات «السبينترونيكس» (Spintronics)، وهي الإلكترونيات التي تعتمد على دوران الإلكترون بدلاً من شحنته فقط لمعالجة البيانات.

إن القدرة على التحكم في اللف المغزلي داخل موصل فائق تعني إمكانية بناء حواسب كمية فائقة السرعة، قادرة على معالجة خوارزميات معقدة دون إنتاج الحرارة التي تعيق الأجهزة الحالية، مما يحل واحدة من أكبر عقبات التوسع في البنية التحتية للحوسبة الكمية.

آفاق مستقبلية: نحو تأكيد الاكتشاف وتطبيقه

بالرغم من النتائج المشجعة، يظل البروفيسور ليندر حذراً في استنتاجاته، مؤكداً أن الطريق لا يزال يتطلب تحقُّقاً إضافياً. يقول ليندر: «من المبكر الجزم بصفة نهائية بأن المادة هي موصل فائق ثلاثي بنسبة 100%؛ إذ يجب تأكيد هذه النتائج من قبل مجموعات تجريبية أخرى وإجراء اختبارات إضافية».

ومع ذلك، فإن السلوك المغاير تماماً الذي أظهرته سبيكة NbRe مقارنة بالموصلات الأحادية التقليدية يعطي دلالة قوية على أننا بصدد تحول نوعي. إذا تم تأكيد هذا الاكتشاف، فقد نكون على أعتاب عصر جديد من التكنولوجيا المستدامة، حيث تصبح الحواسب الكمية والأنظمة الإلكترونية المتقدمة أكثر كفاءة بآلاف المرات مما هي عليه الآن.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *