مقدمة: حلم الإصلاح يتحول إلى كابوس بيروقراطي
في نوفمبر 2024، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، عن مبادرة طموحة لإصلاح كفاءة الحكومة، واضعًا إيلون ماسك على رأسها. المبادرة، التي أُطلق عليها اسم "دوج" (DOGE)، استقبلت في البداية بحماس من قبل رجال الأعمال والمفكرين الاقتصاديين، وحتى بعض السياسيين من مختلف الأطياف. لكن سرعان ما تحول هذا الحماس إلى خيبة أمل، لتُوصَف المبادرة بالفشل الذريع من قبل العديد من المراقبين. فما الذي حدث؟ وكيف تحول "المنقذ" إيلون ماسك إلى "عبء" على الحكومة الأمريكية؟
"دوج": وعود براقة ونتائج محبطة
كانت مبادرة "دوج" تبدو في بدايتها كحل جذري للإصلاح البيروقراطي المتجذر في النظام الحكومي. حتى السيناتور التقدمي بيرني ساندرز أبدى دعمه الحذر لها، مشيرًا إلى الهدر والفساد المستشريين في ميزانية الدفاع. تعهد ماسك بتوفير ما يصل إلى تريليوني دولار من النفقات الحكومية، وبدأ بالفعل بتخفيض المساعدات الخارجية وتسريح عشرات الآلاف من الموظفين.
لكن هذه الإجراءات، على الرغم من جرأتها، لم تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الإنفاق الفدرالي. وفقًا لتقرير مجلة الإيكونوميست، أعلنت مبادرة "دوج" عن توفير نحو 175 مليار دولار، وهي تقديرات وصفتها المجلة بأنها "محل شك". والأهم من ذلك، تشير البيانات الرسمية لوزارة الخزانة إلى أن الإنفاق الفدرالي واصل ارتفاعه.
انسحاب مفاجئ وفشل في تحقيق الأهداف
في 28 مايو، أعلن ماسك انسحابه من المبادرة عبر منشور على منصته "إكس"، تبعته استقالة كبار معاونيه. بعد يومين، ظهر ماسك في مؤتمر صحفي إلى جانب ترامب، وقد بدت عليه كدمة تحت العين، معلنًا "تقاعده" من المبادرة مع التأكيد على أنه سيظل "مستشارًا".
ما الذي دفع ماسك إلى الانسحاب؟ في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست، صرح ماسك بأن "البيروقراطية الفدرالية أسوأ بكثير مما كنت أتخيل". كما أشار إلى أنه لا يرغب في تحمل المسؤولية كاملة، منتقدًا ميزانية ترامب الجديدة التي قال إنها "أضعفت جهوده في خفض الإنفاق من خلال زيادة الدين العام".
نهج مثير للجدل وأفكار غير تقليدية
على عكس مبادرات الإصلاح التقليدية التي قادها خبراء تقنيون وإداريون مخضرمون، تبنى ماسك نهجًا قائمًا على أفكار مثيرة للجدل. زعم أن الديمقراطيين يستخدمون الحكومة أداة لتحويل الأموال إلى المهاجرين غير النظاميين، وأن هناك "موظفين وهميين" يتقاضون رواتب دون وجود حقيقي، بل ذهب حد القول إن بعض المكاتب الحكومية تحوّلت إلى "مخيمات للمشردين".
هذه التصريحات، إلى جانب حملة الفصل الجماعي للموظفين، تسببت في نفور المحاسبين المتخصصين الذين كان من الممكن أن يكشفوا عن الفساد الفعلي. والنتيجة: دعاوى قضائية بالجملة، وعودة مؤسسات الدولة للمسارات القانونية المعقدة بالفصل الإداري.
تداعيات كارثية وتأثيرات سلبية
لم تقتصر تداعيات مبادرة "دوج" على الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، بل امتدت لتشمل تأثيرات سلبية على المستوى المحلي والعالمي. وفقًا لنماذج إحصائية، قد تؤدي التخفيضات في المساعدات الخارجية إلى وفاة 300 ألف شخص، من بينهم 200 ألف طفل، نتيجة الجوع والأمراض المعدية.
على المستوى المحلي، تسبب البرنامج في حالة من الذعر والإحباط داخل الجهاز الإداري الأميركي، حيث اتُّهم مهندسو ماسك الشباب بـ"تطبيق نظرية ترامب في السلطة التنفيذية المطلقة" واستخدام التحكم في الأنظمة الرقمية لترهيب البيروقراطيين.
دروس مستفادة ومستقبل الإصلاح الحكومي
على الرغم من فشل مبادرة "دوج"، إلا أنها تحمل دروسًا قيمة للمستقبل. يقول ماكس ستير رئيس مؤسسة "الشراكة من أجل الخدمة العامة" إن الفكرة الأساسية بأن الحكومة بحاجة إلى التحديث "صحيحة للغاية". وأشار إلى أن غياب المحاسبة وقوانين التنظيم المتشابكة يشلّان المشاريع العامة.
يرى ستير أن ماسك كان محقًا في اعتقاده بأن "الكثير من القواعد يمكن وربما ينبغي كسرها"، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن فوضى "دوج" جعلت من الصعب على أي إدارة مستقبلية القيام بإصلاح حقيقي وفعّال.
خاتمة: إرث ماسك في الإدارة العامة
ترى مجلة الإيكونوميست أن إرث ماسك بالإدارة العامة قد لا يتمثل في قدرته على التغيير، بل في حجم الضرر الذي ألحقه بمحاولات التغيير ذاتها. فالمنقذ الذي هلّل له المستثمرون وصناع القرار، بات اليوم عبئًا على الحكومة، ويُخشى أن تكون تجربته الفاشلة عائقًا مستقبليًا أمام أي إصلاح ذي معنى.


اترك تعليقاً