هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟ سيناريوهات الصراع وتداعياتها على أمن الطاقة العالمي

هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟ سيناريوهات الصراع وتداعياتها على أمن الطاقة العالمي

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز في موازين القوى العالمية

يُعد مضيق هرمز الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره قرابة خُمس إنتاج النفط الخام في العالم. ومع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية بين طهران وواشنطن، عاد التساؤل حول قدرة إيران على تنفيذ تهديداتها بـ “إغلاق مضيق هرمز” إلى واجهة الأحداث، خاصة مع تعزيز الولايات المتحدة لانتشارها العسكري في منطقة الخليج.

جغرافيا، يربط المضيق بين الخليج العربي وخليج عمان، وبالرغم من أن عرضه يصل في بعض النقاط إلى 50 كيلومتراً، إلا أن الممرات الصالحة للملاحة للسفن العملاقة لا يتجاوز عرضها 10 كيلومترات، مما يجعله نقطة اختناق استراتيجية بامتياز. وتُشير البيانات الصادرة عن شركة “فورتيكسا” إلى أن ما يزيد عن 20 مليون برميل من النفط والمكثفات تعبر هذا الممر يومياً، بقيمة تجارية تقدر بنحو 600 مليار دولار سنوياً.

التهديدات الإيرانية: إغلاق المضيق كـ “سلاح ردع”

في ظل الضغوط الدولية والتلويح بالخيار العسكري ضد برنامجها النووي، تستخدم طهران ورقة المضيق كأداة ردع استراتيجية. وقد صرح جلال دهقاني فيروزآبادي، أمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران، بأن أي نزاع عسكري سيؤدي حتماً إلى تهديد أمن الطاقة وإغلاق المضيق بشكل كامل.

ويرى المحللون العسكريون أن إيران تنظر إلى التحكم في هرمز كبديل استراتيجي لامتلاك السلاح النووي، حيث تدرك أن أي اضطراب في هذا الممر سيؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار النفط العالمية، مما يضع ضغوطاً اقتصادية هائلة على القوى الغربية والآسيوية على حد سواء.

السيناريوهات العسكرية: كيف يمكن تعطيل الملاحة؟

تُشير الدراسات العسكرية، ومنها تقرير دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي، إلى أن إيران قد لا تختار الإغلاق الشامل الفوري، بل قد تتبع نهجاً تدريجياً لرفع تكاليف التأمين والملاحة. وتتمثل أبرز الوسائل التقنية في نشر الألغام البحرية الذكية، واستخدام القوارب الهجومية السريعة التابعة للحرس الثوري، بالإضافة إلى الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة.

تاريخياً، شهدت فترة الثمانينات ما عُرف بـ “حرب الناقلات”، حيث أخفقت إيران في إغلاق المضيق كلياً لكنها نجحت في إحداث ارتباك كبير في الأسواق العالمية. واليوم، يمتلك النظام الإيراني ترسانة أكثر تطوراً من الغواصات الصغيرة والزوارق شبه الغاطسة التي يمكنها العمل في المياه الضحلة للمضيق، مما يصعب من مهمة القوى الدولية في تأمين السفن التجارية.

المتضررون الأكبر: آسيا في قلب العاصفة

على عكس الاعتقاد السائد، فإن الولايات المتحدة لم تعد المتضرر الأول من إغلاق محتمل للمضيق، حيث انخفضت وارداتها من نفط الخليج إلى أدنى مستوياتها منذ عقود بفضل طفرة الإنتاج المحلي. في المقابل، تبرز الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية كأكثر الدول عرضة للمخاطر، حيث تتجه نحو 84% من صادرات النفط المارة عبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية.

الصين تحديداً تعيش معضلة استراتيجية؛ فهي تستورد نحو 90% من صادرات إيران النفطية بأسعار تفضيلية، وأي إغلاق للمضيق سيعني شللًا في قطاعها الصناعي وارتفاعاً حاداً في تكاليف الطاقة. لذا، يُتوقع أن تمارس بكين ضغوطاً دبلوماسية قصوى لمنع تحول التهديدات الإيرانية إلى واقع ملموس.

هل تنجح بدائل الملاحة في امتصاص الصدمة؟

دفعت التهديدات المستمرة دول المنطقة إلى تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن هرمز. تمتلك المملكة العربية السعودية خط أنابيب “شرق – غرب” الذي يمكنه نقل 5 ملايين برميل يومياً إلى البحر الأحمر، كما طورت الإمارات خط أنابيب يربط حقولها بميناء الفجيرة على خليج عمان.

وعلى الرغم من هذه الجهود، تؤكد تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن القدرة الاستيعابية لهذه الخطوط لا تزال غير كافية لتعويض كامل الكميات التي تمر عبر المضيق. فالعجز في حال الإغلاق الكامل قد يتجاوز 15 مليون برميل يومياً، وهو رقم لا يمكن لأي بديل حالي استيعابه، مما يجعل مضيق هرمز يظل، حتى إشعار آخر، مفتاح الاستقرار الاقتصادي العالمي.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *