زلزال في "الناتو": هل تستغني أوروبا عن الحماية الأمريكية؟
تمر العلاقات العابرة للأطلسي اليوم بمنعطف تاريخي هو الأخطر منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949. ففي ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الداعية لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية، بلغت أزمة الثقة بين ضفتي الأطلسي مستويات غير مسبوقة، مما يضع الأمن الأوروبي على المحك.
أزمة ثقة تهز أركان التحالف القديم
كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة، لا سيما ما نشره موقع "بوليتيكو"، عن تحول نوعي في المزاج الشعبي الأوروبي؛ إذ لم يعد أغلب الأوروبيين ينظرون إلى واشنطن كحليف موثوق.
أرقام تعكس عمق الفجوة:
- 50% من الألمان لا يثقون في الالتزام الأمريكي.
- 44% من الفرنسيين يشككون في موثوقية واشنطن.
- 39% من البريطانيين يرون تراجعاً في الاعتماد على الحليف التاريخي.
3 سيناريوهات ترسم مستقبل القارة العجوز
ناقش الخبراء والباحثون ثلاثة مسارات محتملة لمواجهة شبح الانسحاب الأمريكي أو تراجع الانخراط في حماية القارة:
1. الاستمرار تحت المظلة الأمريكية (التبعية الاضطرارية)
يرى هذا السيناريو أن أوروبا، رغم طموحاتها، لا تزال غير قادرة على بناء قدرات عسكرية مستقلة تماماً. فوجود 84 ألف جندي أمريكي والاعتماد الكلي على المظلة النووية والنقل الإستراتيجي يجعل الاستغناء عن واشنطن أمراً شبه مستحيل في المدى القريب، رغم وجود ميزانية دفاع أوروبية تقدر بـ 7.5 مليار يورو سنوياً.
2. الاستقلال الإستراتيجي (القيادة الفرنسية)
تقود فرنسا هذا التوجه بقوة، حيث يعتمد جيشها بنسبة 97% على صناعات وطنية. يدعو أنصار هذا الخيار إلى استثمار ضخم يصل إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2050 لتطوير تكنولوجيا دفاعية أوروبية خالصة، محذرين من أن الفشل في ذلك سيفقد أوروبا جاذبيتها وقدرتها التنافسية.
3. سيناريو المسايرة والانقسام (الواقعية الدفاعية)
رغم وصول الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى 334 مليار يورو في 2024، إلا أن القارة تعاني من انقسام حاد:
- الجناح الشرقي: يتمسك بشدة بالتحالف مع واشنطن لمواجهة التهديدات المباشرة.
- الجناح الغربي: يدفع نحو الاستقلالية والاعتماد على الذات.
هذا الانقسام قد يدفع أوروبا نحو "مسايرة" الضغوط الأمريكية مع محاولة بناء ركيزة داخلية.
التغييرات الهيكلية: هل بدأ الانسحاب فعلياً؟
تشير التحركات على الأرض إلى أن إدارة ترمب بدأت بالفعل في تحويل عبء الدفاع للأوروبيين عبر تغييرات بنيوية، مثل نقل قيادات بحرية وإستراتيجية إلى بريطانيا وإيطاليا، مما يؤكد أننا أمام تحول في جوهر العقيدة الأمنية وليس مجرد تصريحات سياسية.
الخلاصة: مستقبل هجين يخدم الخصوم
اتفق الخبراء على أن السيناريو الأرجح هو بناء ركيزة أوروبية قوية داخل الناتو وليس خارجه، في محاولة لإرضاء واشنطن مع الحفاظ على الحد الأدنى من الحماية. ومع ذلك، فإن أي اهتزاز في وحدة الأطلسي يمثل فرصة ذهبية لقوى مثل روسيا والصين اللتين تراقبان هذا التصدع بكثير من التفاؤل.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً