وداع رمضان واستقبال العيد: دليل زكاة الفطر وسنن يوم الجائزة

# وداع رمضان واستقبال العيد: العبرة بالخواتيم وأحكام زكاة الفطر وسنن العيد

الحمد لله الذي وفقنا لصيام شهر رمضان وقيامه، ونسأله بفضله وكرمه أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل المواسم مضماراً للسباق، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قدوة العابدين وإمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا أبدًا.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، واعلموا أننا اليوم في ختام شهر عظيم، وموسمٍ كريم، وقد قارب هذا الضيف العزيز على الرحيل، وأذنت شمسه بالمغيب. فهنيئاً لمن اغتنم ساعاته، واجتهد في أواخره، واستدرك ما فاته من تقصير بصدق الإنابة وحسن العمل، وخاب وخسر من فرّط في هذه الأيام المعدودات، فجعلها كغيرها من الأيام سهرًا فيما لا ينفع، وغفلةً عما يُرفع.

أولاً: إنما الأعمال بالخواتيم

إن الشأن كل الشأن ليس في مجرد البدايات، بل العبرة بكمال العمل وإحسان الختام، فالخيل إذا قاربت نهاية المضمار بذلت أقصى جهدها لتنال السبق. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنما الأعمال بالخواتيم” (رواه البخاري).

فيا أيها الصائمون، ويا أيها القائمون، هذا هو وقت الجد والاجتهاد الأكبر، فلا يكن حالنا في آخر الشهر فتورًا وضعفًا بعد نشاط، بل لنحسن الختام بالاستغفار والتوبة والذكر والصدقة. لنجتهد فيما بقي من لياليه، وخاصة الليلة الأخيرة، فإنها قد تكون ليلة القدر التي أخفى الله موعدها ليجتهد العباد في طلبها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.

تأملوا يا رعاكم الله، إذا كان قيام هذه الليلة خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة، في أمةٍ أعمارها قصيرة، فقد أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- “أن أعمارها بين الستين والسبعين وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ”، فهذه الليلة الأخيرة بلا شك حَرِّية بالحرص والالتماس، والتعرض لنفحات الله فيها، فقد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه” (متفق عليه).

ثانياً: شكر النعمة والحذر من العجب

أيها المسلمون، لقد أنعم الله علينا بنعمة عظيمة لا يدرك قدرها إلا من حُرمها، وهي أن بلّغنا هذا الشهر وأعاننا على صيامه وقيامه. فلنكمل هذه النعمة بالشكر، فإن الشكر قيد النعم وسبب الزيادة، قال تعالى: ﴿…لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ…﴾. فالحمد لله كثيراً على توفيقه، وطوبى لمن اعتبر وازدهرت أيامه بالطاعات، وبشرى لمن ملأ خزائنه بالحسنات.

ولكن، لنحذر كل الحذر من الاغترار بالعمل أو العجب بالنفس، فالله هو الموفق وحده، ولولا فضله ما صلينا ولا صمنا. لنكن مسارعين في الخيرات مع وجل القلوب وخوف عدم القبول، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “الْعَارِفُ لَا يَرْضَى بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ لِرَبِّهِ، وَلَا يَرْضَى نَفْسَهُ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَيَسْتَحْيِي مِنْ مُقَابَلَةِ اللَّهِ بِعَمَلِهِ.”

وهذا هو حال الصادقين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. وقد روت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: “لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾”.

ثالثاً: زكاة الفطر.. طهرة للصائم وطعمة للمسكين

أيها الإخوة المؤمنون، من تمام إحسان الختام أداء ما فرضه الله علينا من زكاة الفطر، فهي طهرة للصائم مما قد يشوب صومه من اللغو والرفث، وهي طُعمة للمساكين ليكون العيد يوم فرح عام للجميع.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حكمها ومقدارها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: “فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم – زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين” (متفق عليه).

أحكام هامة لزكاة الفطر:

1. الوجوب: هي واجبة على كل مسلم يجد ما يزيد عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته.
2. المقدار: قدرها النبي صلى الله عليه وسلم بصاع من طعام أهل البلد (والصاع يقارب 2.5 إلى 3 كيلوجرامات تقريباً)، مثل الأرز أو التمر أو القمح أو غيرها.
3. وقت الإخراج: يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، والأفضل أن تؤدى قبل صلاة العيد، فعن ابن عمر رضي الله عنه: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بزكاة الفطر، أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة».
4. التقديم: جوز العلماء تقديمها بيوم أو يومين تيسيراً على الناس.
5. المصرف: تصرف للفقراء والمحتاجين من المسلمين فقط.

إن زكاة الفطر تعد من أعظم دعائم المحبة وتقوية الأواصر بين أبناء الأمة، ففيها يتجلى التكافل الاجتماعي بأسمى صوره. وعن ابن عباسٍ قال: “فرض رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلم – زكاةَ الفِطْر طُهْرةً للصَائم مِن اللغو والرَّفثِ وطُعْمةً للمساكينَ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعدَ الصَّلاة، فهي صَدَقةٌ من الصَّدقات”. فسبحان من جعل الغني في حاجة لعطاء الفقير ليسعد بعطائه في الآخرة، وسبحان من جعل الفقير في حاجة لعطاء الغني ليسعد به في الدنيا.

رابعاً: سنن العيد وآدابه الشرعية

أيها الإخوة، يوم العيد هو يوم الجائزة، يوم فرح بفضل الله وبرحمته، وليس يوم انطلاق من قيود العبادة إلى المعاصي، بل هو يوم فرح وعبادة. وللعيد سنن وآداب ينبغي للمسلم الحرص عليها:

1. التكبير: وهو شعار العيد، ويبدأ من غروب شمس ليلة العيد حتى صلاة العيد، تعظيماً لله وشكراً له، قال تعالى: ﴿…وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
2. الغسل والتطيب: يستحب الاغتسال والتطيب ولبس أجمل الثياب، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك يوم العيد إظهاراً لنعمة الله.
3. أكل تمرات قبل الخروج: من السنة في عيد الفطر أكل تمرات وتراً قبل صلاة العيد، قال أنس رضي الله عنه: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا” (رواه البخاري).
4. الخروج للمصلى مشياً: يستحب الخروج إلى المصلى مشياً إن أمكن، وأداء صلاة العيد مع جماعة المسلمين، ومخالفة الطريق (الذهاب من طريق والعودة من آخر).
5. التهنئة وصلة الأرحام: التوسعة على الأهل بالنفقة المعتدلة، وصلة الأرحام، والتهنئة بالقول المأثور عن الصحابة: “تقبل الله منا ومنكم”.
6. تحريم الصيام: يحرم صيام يوم العيد، فهو يوم أكل وشرب وذكر لله، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي الفطر والأضحى.

خامساً: حكم صلاة العيد وفضلها

أيها الأحبة، صلاة العيد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وقد اختلف أهل العلم في وجوبها، والحق هو الوجوب كما اختاره غير واحد من المحققين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها وأمر الناس بالخروج إليها حتى النساء والحيض اللواتي يعتزلن الصلاة ويشهدن الخير.

ففي الصحيح عن أم عطية قالت: “أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: «لتلبسها أختها من جلبابها»”.

والأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة، والرجال أولى بهذا الوجوب من النساء. بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، حيث ذكر أئمة التفسير أن المراد بها صلاة العيد. ومن الأدلة على قوتها ووجوبها أنها تسقط صلاة الجمعة إذا اجتمعتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يسقط الواجب.

خاتمة موعظة

أذكر نفسي وإياكم عباد الله بفضل الصدقة تطوعاً مع زكاة الفطر، لندخل السرور على كل بيت مسلم، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

عباد الله، لنحسن فيما بقي، يغفر الله لنا ما مضى، فربُّ رمضان هو ربُّ شوال وسائر الشهور، وعلامة قبول الطاعة هي الطاعة بعدها. قال تعالى: ﴿… إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.

نسأل الله العظيم أن يختم لنا شهرنا بالرضوان، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النيران، وأن يعيد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة في صحة وعافية ونصر للإسلام والمسلمين.

اللهم تقبل منا، واغفر لنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا كريم. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *