وميض مفاجئ يكشف الرفيق الخفي: أدلة جديدة تربط التدفقات الراديوية السريعة بالأنظمة النجمية الثنائية

وميض مفاجئ يكشف الرفيق الخفي: أدلة جديدة تربط التدفقات الراديوية السريعة بالأنظمة النجمية الثنائية

مقدمة: لغز الومضات الكونية العابرة

على مدار العقد الماضي، ظلت التدفقات الراديوية السريعة (Fast Radio Bursts – FRBs) واحدة من أكثر الظواهر غموضاً في علم الفلك الحديث. هذه النبضات الكهرومغناطيسية، التي لا تستمر سوى أجزاء من الألف من الثانية، تطلق طاقة هائلة تعادل ما تنتجه الشمس في أيام كاملة. لفترة طويلة، ساد اعتقاد بين العلماء بأن هذه الإشارات تنبعث من نجوم معزولة ومنفردة في مجرات بعيدة. إلا أن كشفاً علمياً جديداً، شارك فيه باحثون من جامعة هونغ كونغ (HKU) ونُشر في دورية Science المرموقة، قدم دليلاً هو الأوضح حتى الآن على أن بعض هذه التدفقات ينشأ في الواقع من أنظمة نجمية ثنائية، حيث يدور نجمان حول بعضهما البعض في رقصة كونية معقدة.

المنهجية العلمية: رصد السماء بـ “عين الصين”

استند هذا الاكتشاف إلى بيانات دقيقة جمعها التلسكوب الراديوي الكروي ذو الفتحة البالغة 500 متر (FAST) الموجود في مقاطعة قويتشو الصينية، والمعروف باسم “عين السماء الصينية”. ركز الفريق البحثي، بقيادة البروفيسور بينغ تشانغ ومجموعة من العلماء الدوليين، على مراقبة تدفق راديوي متكرر يُعرف باسم FRB 220529A، يقع على بعد حوالي 2.5 مليار سنة ضوئية من الأرض.

على مدار 17 شهراً من المراقبة المستمرة، تتبع العلماء خاصية فيزيائية هامة تُعرف بـ “الاستقطاب اللحظي” للموجات الراديوية. تحمل هذه الموجات في طياتها بصمات الوسط الذي تمر من خلاله. ومن خلال قياس ما يُسمى بـ “مقياس الدوران” (Rotation Measure – RM) – وهو التغير في زاوية استقطاب الموجة نتيجة مرورها عبر بلازما ممغنطة – لاحظ الفريق تغيراً دراماتيكياً وغير متوقع.

في أواخر عام 2023، رصد الباحثون ما أطلقوا عليه اسم “طفرة مقياس الدوران” (RM flare)، حيث قفزت القيمة بأكثر من مائة ضعف في وقت قصير جداً، قبل أن تعود لمستوياتها الطبيعية خلال أسبوعين. هذا التحول المفاجئ يشير بوضوح إلى مرور الإشارة الراديوية عبر سحابة كثيفة من البلازما الممغنطة.

الاكتشاف: الرفيق الخفي واندلاعات البلازما

يفسر العلماء هذه الظاهرة بوجود نجم رفيق للنجم المصدر للتدفق الراديوي. ووفقاً لنموذج الفريق، فإن هذا الرفيق هو نجم شبيه بالشمس قام بإطلاق “انبعاث كتلي إكليلي” (Coronal Mass Ejection – CME). هذا الانفجار النجمي أطلق سحابة من البلازما مرت تماماً في خط البصر بين مصدر التدفق الراديوي وتلسكوباتنا على الأرض، مما تسبب في التغير الحاد في خصائص الإشارة.

يقول البروفيسور بينغ تشانغ: “هذا الاكتشاف يقدم دليلاً حاسماً على أصل التدفقات الراديوية المتكررة. البيانات تدعم بقوة وجود نظام ثنائي يحتوي على نجم مغناطيسي (Magnetar) – وهو نجم نيتروني ذو مجال مغناطيسي فائق القوة – ونجم آخر يشبه شمسنا”. هذا التفاعل بين النجم المغناطيسي ورياح أو انبعاثات النجم الرفيق يخلق بيئة مثالية لإنتاج هذه الومضات المتكررة والقوية.

الأهمية العلمية والآفاق المستقبلية

تكمن أهمية هذا البحث في كونه يعيد صياغة النماذج النظرية حول كيفية تشكل التدفقات الراديوية السريعة. فبينما كانت النظريات السابقة تركز على النجوم المنفردة، يفتح هذا الاكتشاف الباب لفهم دور الأنظمة الثنائية في تعزيز تكرار هذه الإشارات. كما يدعم النموذج الذي اقترحه البروفيسور تشانغ، والذي يفترض أن جميع التدفقات الراديوية السريعة تنتجها النجوم المغناطيسية، لكن التفاعل داخل الأنظمة الثنائية هو ما يجعل بعضها يكرر نبضاته بشكل أكثر تواتراً ووضوحاً.

مستقبلاً، سيسعى العلماء إلى استخدام تلسكوبات قوية مثل FAST وتلسكوب باركس (Parkes) في أستراليا لمراقبة المزيد من هذه المصادر على المدى الطويل. الهدف هو تحديد مدى شيوع الأنظمة الثنائية بين مصادر التدفقات الراديوية، وفهم آليات التفاعل المغناطيسي التي تؤدي إلى هذه الومضات الكونية المذهلة، مما قد يمنحنا مفاتيح جديدة لفهم تطور النجوم والبيئات المتطرفة في كوننا.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *