300 ألف وضعية في لمح البصر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة مستقبل “ديزني” والرسوم المتحركة؟

300 ألف وضعية في لمح البصر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة مستقبل “ديزني” والرسوم المتحركة؟

في ظهيرة يوم خريفي هادئ داخل استوديوهات “والت ديزني” بمدينة بوربانك بكاليفورنيا، تداعب النسمات الأشجار المنسقة بعناية، بينما تنعكس أشعة الشمس على مبنى “تيم ديزني” الشهير، حيث تنتصب منحوتات صخرية عملاقة للأقزام السبعة بطول 19 قدماً، وكأنها تحمل سقف الإمبراطورية التي بنتها “سـنو وايت”.

هذا المعلم المعماري ليس مجرد تكريم للماضي، بل هو نقطة انطلاق للمستقبل. ففي مبنى سينما “مين ستريت” المقابل، تستكشف ديزني سبل الحفاظ على إرثها العريق باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي (AI). هناك، اجتمعت أربع شركات ناشئة لعرض ابتكاراتها أمام نخبة من التنفيذيين والإعلاميين، وكان من بينها شركة Animaj التي استعرضت كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع عملية التحريك (Animation) بشكل مذهل.

تسريع الإبداع: من شهور إلى أسابيع

أمام شاشة عرض ضخمة، كانت شخصيات ملونة من مسلسل الأطفال الشهير “بوكويو” (Pocoyo) تقفز وتتحرك برشاقة. شركة Animaj، التي اختارتها ديزني ضمن حاضنة أعمالها لعام 2025 (Disney Accelerator Program)، تستخدم الآن مزيجاً من الفنانين البشر والذكاء الاصطناعي لإنتاج هذه المقاطع القصيرة بسرعة قياسية.

يقول سيكست دي فوبلان، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة Animaj: “بفضل هذه الأداة، يستغرق إنتاج حلقة مدتها 5 دقائق أقل من خمسة أسابيع، بينما كان الأمر يستغرق سابقاً خمسة أشهر كاملة”.

هذا التسارع الهائل هو نتاج التطور المذهل في الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI). وبينما تتيح أدوات مثل Veo 3 من جوجل وSora 2 من OpenAI لأي شخص إنشاء رسوم متحركة من هاتفه عبر الأوامر النصية فقط، يثير هذا التوجه مخاوف هوليوود من استبدال الفنانين بالآلات.

الذكاء الاصطناعي كأداة وليس بديلاً

تؤكد Animaj أن تقنيتها لا تستهدف استبدال الرسامين، بل تخليصهم من المهام الرتيبة والمملة. يظل المحرك (Animator) هو المسؤول عن رسم الوضعيات الأساسية للشخصية، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي ملء الفجوات الحركية بين النقطة (أ) والنقطة (ب)، مع بقاء الفنان في مقعد القيادة لتعديل أي حركة ينتجها النظام.

وقد أكدت ديزني أنها بصدد الإعلان عن شراكة رسمية مع Animaj قريباً، لبحث كيفية دمج هذا النظام في قطاعات ديزني التلفزيونية (Disney Branded Television وDisney Television Studios). وصرح ديفيد مين، نائب رئيس ابتكارات ديزني: “الخطة هي الإعلان عن شيء ملموس في الأشهر المقبلة”.

تاريخ من التطور: من الورق إلى الذكاء الاصطناعي

التعبير الفني في ديزني له تاريخ طويل مع التكنولوجيا؛ فمن الرسوم اليدوية بالألوان المائية في الثلاثينيات (سـنو وايت)، إلى تقنيات CGI في الثمانينيات والتسعينيات (The Little Mermaid)، وصولاً إلى الرسوم ثلاثية الأبعاد المعقدة في (Tangled وFrozen). وكل ابتكار كان يهدف لتسريع العملية الإنتاجية.

يوضح مين أن ديزني بحثت في آلاف الشركات قبل اختيار Animaj، لأن فلسفتها تقوم على أن “الفنان هو من يقود العملية”، على عكس تطبيقات مثل Sora التي تنتج فيديوهات عشوائية أحياناً. ففي نظام Animaj، يرسم الفنان الإطارات الرئيسية (Keyframes)، والذكاء الاصطناعي يتكفل بما يسمى “motion in-betweening”.

ثورة البيانات: 300 ألف وضعية حركية

تعتمد أداة Animaj على قاعدة بيانات ضخمة تم تدريبها حصرياً على صور من المسلسل المعني، لضمان عدم الخروج عن النمط الفني الأصلي. في حالة مسلسل “بوكويو”، استخدمت الشركة أربعة مواسم لبناء قاعدة بيانات تضم أكثر من 300 ألف وضعية حركية.

هذا النظام يسمح بإنتاج حلقات تجريبية (Pilots) في 30% فقط من الوقت المعتاد. وفي عصر البث الرقمي، تحتاج ديزني لإنتاج محتوى عالي الجودة بسرعة لمواكبة الطلب. كما تستخدم Animaj الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وفهم التوجهات الرائجة لدى الجمهور، مما يساعد في توجيه عملية سرد القصص.

الحفاظ على “الحمض النووي” لديزني

يقول أنطوان ليرميت، المدير التقني لشركة Animaj، بينما يراقب أحد الفنانين وهو يعدل حركة ذراع شخصية باستخدام قلم رقمي: “أداتنا تسمح للفنان بالتحكم في الرسوم بناءً على مسودته الأولية فقط، مما يوفر وقتاً هائلاً”.

هذا التوجه يحرر المبدعين من التكرار، ويسمح لهم بالتركيز على الجوانب الفنية والجمالية للمشاهد، بدلاً من البدء من الصفر مع كل حركة. والأهم من ذلك، أنه يمنع ظهور الأخطاء البصرية الشائعة في الفيديوهات المولدة كلياً بالذكاء الاصطناعي، مثل تشوه الأطراف أو تغير ملامح الشخصية بين الإطارات.

في الختام، يظل الحفاظ على “الحمض النووي” لديزني هو الأولوية القصوى. وكما غنى الأقزام السبعة في كلاسيكية عام 1937: “Heigh ho, heigh ho, it’s off to work we go”، يبدو أن رسامي المستقبل سيذهبون إلى عملهم بصحبة مساعد ذكي، ليواصلوا سحر الرسوم المتحركة في عصر الذكاء الاصطناعي.

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *