5 مفاتيح ذهبية للثبات على الطاعة ومجاهدة النفس

# معينات التعبد: دليل المؤمن للتنافس في القربات ونيل رضا رب الأرض والسماوات

إن الغاية الأسمى والمهمة العظمى التي من أجلها أوجدنا الله في هذه الحياة هي عبادته وحده لا شريك له، والاشتغال بطاعته وتقواه. يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ويقول عز وجل منادياً البشرية جمعاء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].

ولكن الطريق إلى الله محفوف بالمكاره، والنفس البشرية جبلت على حب الشهوات، والشياطين تترصد للعبد لتصده عن سبيل ربه. وأمام هذه العقبات، لا بد لمريد النجاة من زادٍ يعينه، ووسائل تثبته على الطاعة، وتقويه في مواجهة الأعداء، وتدفع به نحو معالي الدرجات. إليك أخي المؤمن أهم معينات التعبد التي تفتح لك آفاق القرب من الله.

أولاً: الاستعانة بالله.. ركن العبادة الركين

إن صلاح العبد وفلاحه مرهون بركونه إلى خالقه واعتماده الكلي عليه. فالمُلك ملكه، والتدبير تدبيره، ولا حول للعبد ولا قوة إلا بالله. إن الاستعانة بالله هي السر الكامن وراء كل توفيق؛ فمن أعانه الله فهو السعيد الموفق، ومن خذله ووكله إلى نفسه فهو الشقي المخذول.

يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الحقيقة بقوله: “العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته، وتثبيت قلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله”. ويضيف ابن رجب شارحاً عمق هذا الاحتياج: “فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها، في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه… ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولاً”.

ولأهمية هذا المقام، نجد أن الله تعالى جمع بين العبادة والاستعانة في أعظم سورة في القرآن، حيث يقول العبد في كل ركعة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. إنها صرخة افتقار واعتراف بالضعف؛ فكأنك تقول: يا رب، لك خضوعي ولكنني ضعيف، فجُد عليَّ بعونك! فمن أراد تذليل الصعاب ونزع العجز من داخله، فلينطرح بين يدي ربه سائلاً معونته، فإن الدين نصفه استعانة.

ثانياً: مجاهدة النفس.. المعركة الكبرى

لقد جُبلت النفوس على الميل إلى اللذات والراحة، وهذا هو الاختبار الحقيقي. يقول ابن الجوزي: “النفس مجبولة على حب الهوى… فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة”. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من مضلات الهوى بقوله: «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى».

إن مجاهدة النفس تعني فطمها عن مألوفاتها وحملها على ما يكره الطبع مما يحبه الله. وهي نوعان: مجاهدة لدفع الشهوات، ومجاهدة للقيام بالطاعات. ويجمع العلماء على أن سعادة الآخرة لا تُنال إلا بنهي النفس عن هواها. يقول ابن عبد البر: “مجاهدة النفس في صرفها عن هواها أشد محاولة وأصعب مراماً وأفضل من مجاهدة العدو”.

لقد كابد السلف الصالح نفوسهم طويلاً حتى استقامت. يقول الثوري: “ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نفسي”. ولكن هذه المكابدة تنتهي بلذة لا توصف، كما قال ثابت البناني: “كابدت القرآن عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة”.

والحازم هو من يوازن في مجاهدته؛ فلا يطلق لنفسه العنان فتهلكه، ولا يبالغ في التضييق عليها فيظلمها ويضعفها عن أداء واجباتها. إنما هو كالملك مع جنده، يعطيها حظها من المباح ليقويها على القيام بالحق.

ثالثاً: استحضار الثواب والعقاب.. المحرك الذاتي

إن استحضار ما أعده الله للمطيعين من نعيم، وما توعد به العاصين من جحيم، هو من أعظم معينات التعبد وزواجر النفس عن المعصية. وقد سلك القرآن الكريم مسارين في هذا الجانب:

1. ثواب عام: كما في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [النساء: 13].
2. ثواب مقيد بأعمال مخصوصة: كقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة… حلت له شفاعتي يوم القيامة».

إن الرجاء يحدو القلوب إلى الله، والخوف يزجرها عن الدنيا. يقول ابن القيم في لفتة رائعة: “النعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة… فإذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً”. وتذكر دائماً حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أنعم أهل الدنيا من أهل النار وأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة، وكيف أن “صبغة” واحدة في الجنة تُنسي العبد كل بؤس رآه في حياته.

رابعاً: قصر الأمل.. ترياق الغفلة

إن ترقّب الموت وتصوّر قرب الرحيل يبعث في النفس همة عالية لا تعرف الفتور. فالموت هو “هاذم اللذات” الذي أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكره. يقول الأوزاعي: “من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير”.

أما طول الأمل فهو الداء العضال الذي يورث الكسل والتسويف. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن أخوف ما أتخوف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى؛ فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق”.

إن التسويف هو جند من جنود إبليس، فاحذر أن تقول “سأفعل” غداً، فربما لا يأتي الغد. يقول الحسن البصري: “إياك والتسويف؛ فإنك بيومك ولست بغدك”. إن الخيل إذا قاربت نهاية السباق أخرجت كل ما عندها، فاجعل ما بقي من عمرك هو وقت السباق الأخير.

خامساً: فقه نهج التقرب.. الذكاء في العبادة

ليس الشأن في كثرة العمل فحسب، بل في فقهه وإتقانه. ومن أهم قواعد هذا الفقه:

  • المسارعة والمبادرة: لقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}. فالآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن.
  • المداومة وإن قل العمل: لقوله صلى الله عليه وسلم: «أدومه وإن قلَّ». فالقليل الدائم يثمر الذكر والمراقبة المستمرة، بينما الكثير المنقطع يورث الجفاء.
  • الاقتصاد في العبادة: حتى لا تمل النفس وتفتر. قال صلى الله عليه وسلم: «القصدَ القصدَ تبلغوا». والموفق هو من يأخذ نفسه بالرفق والتدرج.
  • تنويع الطاعات: لكسر الرتابة وتجديد الإيمان، تماماً كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين جمع بين الصيام واتباع الجنائز والصدقة وعيادة المريض في يوم واحد.
  • إدراك مراتب الأعمال: بتقديم الفاضل على المفضول، واختيار ما يصلح للقلب في وقته. فقد يكون الذكر في وقتٍ أفضل من القراءة، والدعاء في وقتٍ آخر أجمع للقلب.
  • توسيع دائرة التقرب: وذلك عبر:

1. احتساب الأجر في المباحات: كالنوم والأكل بنية التقوي على الطاعة.
2. الهم بعمل الخير: فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة.
3. تعدد النيات في العمل الواحد: كمن يدخل المسجد بنية الصلاة والاعتكاف وانتظار الصلاة وتعلم العلم.

خاتمة القول، إن معينات التعبد هي حبل النجاة في زمن الفتن، والسبيل لنيل الدرجات العلا. فاستعن بالله ولا تعجز، وجاهد نفسك، واستحضر عظمة ما تنتظره من ثواب، واقصر أملك في الدنيا، وتفقه في سبل القرب من مولاك. نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، ويجعلنا من السابقين المقربين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *