مقدمة: نسائم السحر وفيوضات الرحمة
مع إشراقة كل يوم جديد من أيام شهر رمضان المبارك، تتجلى رحمة الله بعباده في تشريعاتٍ غراء، تهدف إلى تيسير العبادة وتعميق الصلة بالخالق سبحانه. ومن أعظم هذه الهدايا النبوية والمنح الربانية، تلك الأكلة المباركة التي تسبق خيوط الفجر الأولى، وهي “أكلة السحور”. إن السحور ليس مجرد وجبة غذائية لتقوية البدن، بل هو شعيرة إيمانية، ومدرسة تربوية، ومحطة لاستمداد البركة والنشاط. في هذا المقال، نبحر في أعماق السنة النبوية لنستكشف فضل السحور، ولماذا حثنا النبي ﷺ على عدم تركه، وكيف يمكن لهذه اللقيمات البسيطة أن تغير حال الصائم في يومه وليله.
السحور: الغداء المبارك وهدي سيد الأنام
لقد كان النبي ﷺ يولي السحور اهتماماً خاصاً، ليس من باب الترف، بل من باب التعبد والتقرب. فقد أخرج النَّسَائِيُّ بسند صحيح عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الحَارِثِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُم اللَّهُ إِيَّاهَا فَلَا تَدَعُوهَا».
تأمل في قوله ﷺ: “فلا تدعوها”، إنه نهيٌ صريح عن الترك، وحثٌّ بليغ على التمسك بهذا الهدي. وقد نقل ابن المنذر رحمه الله إجماع العلماء على أن السحور مندوب إليه ومستحب، وأنه لا إثم على من تركه، إلا أن الحرمان الحقيقي يكمن في فوات تلك البركة التي أشار إليها النبي ﷺ. إن السحور هو القوة التي تعين الصائم على أداء فرضه بنشاط وحيوية، كما أشار ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري، حيث قال إن النبي ﷺ حض أمته عليه ليكون قوة لهم على صيامهم.
حقيقة البركة في أكلة السحر
ما هي هذه البركة التي تتكرر في أحاديث السحور؟ لقد تعددت روايات النبي ﷺ التي تصف السحور بالبركة، فقد أخرج الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «البَرَكَةُ فِي ثَلَاثَةٍ؛ فِي الجَمَاعَةِ وَالثَّرِيدِ وَالسُّحُورِ». وفي روايات أخرى سماه النبي ﷺ “الغداء المبارك”، كما في حديث العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه حين قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَدعو إلى السَّحورِ في شهرِ رمضانَ المباركِ، وقال: «هلمُّوا إلى الغداءِ المبارَكِ».
يوضح الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله أن هذه البركة تنقسم إلى قسمين:
1. بركة أخروية: وتتمثل في امتثال سنة النبي ﷺ، ونيل الأجر والثواب، والتعرض لنفحات الله في وقت السحر الذي هو وقت إجابة الدعاء.
2. بركة دنيوية: وتتمثل في تقوية البدن على الصيام، وتيسير العبادة على النفس، ومنع الضرر الذي قد يلحق بالجسد بسبب الجوع المفرط.
إن السحور يمنح الصائم طاقة روحية وجسدية تجعله يقضي يومه في ذكر وعمل، بدلاً من الخمول والكسل الذي قد يسببه ترك هذه الوجبة.
السحور شعار المسلمين ومخالفة أهل الكتاب
من أسرار السحور العظيمة أنه يمثل هوية تميز صيام المسلمين عن غيرهم. ففي صحيح مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ».
لقد كان أهل الكتاب يصومون ولكنهم لا يتسحرون، فجاء الإسلام ليشرع لنا السحور مخالفةً لهم، وتأكيداً على وسطية هذا الدين ويسره. يقول الإمام النووي رحمه الله: “الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم هو السحور”. وهذا المقصد -أي مخالفة أهل الكتاب- هو أحد الوجوه التي تقتضي زيادة الأجور الأخروية، كما أشار ابن دقيق العيد. إن الصائم حين يتسحر، فإنه يعلن انتماءه لهذه الأمة المباركة واتباعه لنبيها الكريم في أدق تفاصيل العبادة.
جائزة المتسحرين: صلاة الله وملائكته
هل تخيلت يوماً أن لقمة تأكلها في جوف الليل تجعل رب العالمين يثني عليك في الملأ الأعلى، وتجعل الملائكة الكرام يدعون لك؟ هذه ليست مبالغة، بل هي حقيقة نبوية ثابتة. فقد أخرج ابن حبان والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ».
ويشرح العلماء معنى هذه الصلاة:
- صلاة الله: هي ثناؤه على العبد وتزكيته له في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين.
- صلاة الملائكة: هي استغفارهم ودعاؤهم للمؤمن بالرحمة والقبول.
يا له من شرف عظيم! أن يذكرك ملك الملوك سبحانه لمجرد أنك استيقظت لتناول السحور اتباعاً لسنة نبيه. وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه تأكيد على هذا الفضل حيث قال ﷺ: «السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يتجرَّع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يُصلُّون على المتسحرين».
وجوه البركة السبعة في السحور
لخص الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه “فتح الباري” جهات البركة في السحور في نقاط جامعة، تجعل كل صائم يحرص أشد الحرص على هذه الوجبة:
1. اتباع السنة: وهي الغاية الأسمى لكل مسلم محب لنبيه.
2. مخالفة أهل الكتاب: ليبقى المسلم متميزاً في عبادته وهديه.
3. التقوي على العبادة: فالسحور يعطي الجسد طاقة للصلاة والذكر والعمل.
4. زيادة النشاط: السحور يطرد الكسل والخمول الناتج عن الجوع.
5. مدافعة سوء الخلق: الجوع الشديد قد يؤدي إلى ضيق الصدر وحدة الطباع، والسحور يهذب ذلك.
6. استثمار وقت الإجابة: التواجد في وقت السحر يدفع العبد للذكر والدعاء في وقت ينزل فيه الرب سبحانه إلى السماء الدنيا.
7. تدارك نية الصوم: السحور يذكر الغافل بنية الصيام ويؤكدها في قلبه.
نِعم السحور: التمر والماء
لم يترك لنا النبي ﷺ أمراً فيه خير إلا ودلنا عليه، حتى في نوعية الطعام المفضل في السحور. فقد أخرج أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».
إن في التمر أسراراً غذائية وبركات نبوية، فهو يمد الجسم بالسكريات الطبيعية التي يحتاجها الصائم لفترة طويلة. وإذا لم يجد الصائم طعاماً، أو لم يجد شهية للأكل، فلا ينبغي له أن يحرم نفسه من بركة السحور، بل يكفيه أن يشرب شربة ماء، لقوله ﷺ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ». وهذا من تيسير الدين، لكي لا ينقطع العبد عن نيل صلاة الله وملائكته.
خاتمة: نداء إلى كل صائم
إن السحور ليس مجرد عادة رمضانية، بل هو عبادةٌ مغلفةٌ بالرحمة، وطاعةٌ محفوفةٌ بالبركة. إنه الوقت الذي يتنزل فيه الرب سبحانه، والوقت الذي تلهج فيه ألسنة الملائكة بالاستغفار للصائمين. فلا تحرم نفسك أخي الصائم من هذا الفضل العظيم، واجعل من سحورك محطة لتجديد النية، واستحضار اتباع النبي ﷺ، ونيل رضا الله سبحانه.
تذكر دائماً أن تلك الدقائق التي تقضيها في تناول سحورك، هي في الحقيقة استثمار لآخرتك قبل دنياك. فليكن سحورك “غداءً مباركاً”، ممتثلاً فيه قول نبيك الكريم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل في هذا الشهر الفضيل.

اترك تعليقاً