طبول الحرب تقرع: باكستان تشن هجوماً جوياً واسعاً على أفغانستان
شهدت الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في العلاقات المتوترة أصلاً بين إسلام آباد وكابول، حيث شنت القوات الجوية الباكستانية سلسلة غارات جوية مكثفة استهدفت مواقع في مدن كابل وقندهار وباكتيكا داخل الأراضي الأفغانية. هذا التصعيد جاء رداً على هجمات شنتها قوات حركة طالبان عبر الحدود، مما دفع المسؤولين في باكستان للإعلان رسمياً عن دخول العلاقة مرحلة “الحرب المفتوحة”.
وأكد المتحدث باسم الجيش الباكستاني، أحمد شريف تشودري، أن القوات الجوية استهدفت بدقة 22 موقعاً عسكرياً تابعاً لحركة طالبان، مشيراً إلى أن هذه العمليات تأتي في سياق الرد الحاسم على التهديدات الأمنية. وأوضح تشودري أن المواجهات التي اندلعت خلال الليل أسفرت عن مقتل 12 جندياً باكستانياً على الأقل، في حين ادعت إسلام آباد مقتل 274 عنصراً من مسؤولي ومسلحي حركة طالبان منذ مساء الخميس الماضي.
تصريحات نارية: القيادة الباكستانية تتوعد بـ “سحق” المعتدين
على الصعيد السياسي، جاءت ردود الفعل الباكستانية شديدة اللهجة، حيث أعلن وزير الدفاع، خواجة محمد آصف، عبر منصة “إكس” أن صبر بلاده قد نفد تماماً، معلناً “الحرب المفتوحة” على سلطات طالبان في كابل. وقال آصف إن بلاده استنفدت كافة القنوات الدبلوماسية والوساطات عبر الدول الصديقة للحفاظ على الاستقرار، إلا أن استمرار الاستفزازات أدى إلى هذا الانفجار العسكري.
من جانبه، أشاد الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري بقوة الرد العسكري، محذراً من أن أي طرف يسيء فهم جنوح باكستان للسلم سيواجه عواقب وخيمة. وفي السياق ذاته، أكد رئيس الوزراء شهباز شريف أن القوات المسلحة تمتلك القدرة الكاملة على سحق أي طموحات عدوانية تستهدف سيادة البلاد، مشدداً على التفاف الشعب حول جيشه في هذه المرحلة الحرجة.
روايات متضاربة: حركة طالبان تعلن السيطرة على مواقع حدودية
في المقابل، قدمت وزارة الدفاع التابعة لحركة طالبان رواية مغايرة للأحداث، حيث أعلنت عن تمكن مقاتليها من السيطرة على 19 موقعاً عسكرياً باكستانياً وقاعدتين عسكريتين خلال اشتباكات ليلة الخميس. وزعم المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، سقوط 55 جندياً باكستانياً قتلى، بالإضافة إلى أسر عدد آخر، وهو ما نفته السلطات الباكستانية جملة وتفصيلاً.
وبالرغم من التصعيد العسكري الميداني، دعا مجاهد في مؤتمر صحفي إلى العودة لطاولة الحوار، مشدداً على أن الحركة لا تزال تفضل الحلول السلمية والمفاوضات لحل الخلافات الحدودية القائمة، محذراً في الوقت ذاته من أن استهداف الأراضي الأفغانية لن يمر دون رد عسكري متكافئ.
الوساطة الدولية والدعوات الأممية لضبط النفس
أثار هذا التدهور الأمني السريع قلقاً دولياً واسعاً؛ حيث أبدت إيران استعدادها الفوري للتوسط بين الجارين المسلمين. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده مستعدة لتسهيل الحوار لضمان حسن الجوار. كما دعت روسيا، التي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع الطرفين، إلى وقف فوري للهجمات العابرة للحدود واللجوء إلى القنوات الدبلوماسية، واصفة الصدام العسكري المباشر بأنه “نذير شؤم” للمنطقة.
أممياً، حث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومفوض حقوق الإنسان فولكر تورك كلا البلدين على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، مشددين على ضرورة خفض التصعيد الفوري لتجنب كارثة إنسانية قد تطال اللاجئين والعائدين في المناطق الحدودية.
خلفيات الصراع: من التحالف التاريخي إلى الصدام المسلح
يرى الخبراء أن هذا التصعيد هو الذروة لسلسلة من التوترات التي بدأت منذ عودة طالبان للسلطة في أغسطس 2021. وتتهم باكستان كابل بإيواء جماعات مسلحة تشن هجمات إرهابية داخل الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه طالبان باستمرار. وأشار الباحث مايكل كوجلمان إلى أن الغارات الأخيرة تمثل تحولاً استراتيجياً، إذ لم تعد تستهدف “جماعات إرهابية” فحسب، بل بدأت في استهداف منشآت النظام الحاكم نفسه، مما يضع المنطقة على حافة صراع إقليمي شامل قد يصعب احتواؤه.
ميدانياً، يعيش السكان في المناطق الحدودية وفي العاصمة كابل حالة من الرعب؛ حيث أفاد شهود عيان بسماع دوي انفجارات ضخمة وتحليق مكثف للطيران الحربي، مما أدى إلى نزوح العديد من العائلات خوفاً من تجدد القصف، في ظل فشل اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة التي تمت برعاية قطرية وتركية.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً