أنتولوجيا السند المطلق: تجليات اسم الله القيوم في الثبات الوجودي وطمأنينة النفس

مقدمة: في رحاب القيُّومية والوجود المنكسر

في عصرٍ يتسم بالتسارع المذهل والسيولة القيمية والمادية، يجد الإنسان المعاصر نفسه في مواجهة دائمة مع ما يسميه الفلاسفة “القلق الوجودي” أو “مخاوف الانهيار”. إنَّ شعورنا بهشاشة الأشياء من حولنا، من صحةٍ تذوي، وأمانٍ يهتز، وعلاقاتٍ قد تنفصم، يجعلنا نبحث دوماً عن “سندٍ” لا يميل، وعمادٍ لا ينكسر. هنا تأتي الأنطولوجيا الإسلامية لتقدم لنا مفهوماً يتجاوز حدود المادة، وهو مفهوم «السَّنَدِ الـمُطْلَق» المتجسد في اسم الله (القيُّوم).

إنَّ دراسة ميكانيكا القيومية ليست مجرد ترفٍ فكري، بل هي ضرورة روحية لإعادة ترميم معمار النفس الإنسانية. فالله عز وجل حين عرفنا بنفسه بصفة (القيوم)، كان يفتح لنا باباً للأمان الذي لا تشوبه شائبة، واليقين الذي لا يخالطه شك. قال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: 255]، وهذه الآية العظيمة -آية الكرسي- لم تكن سيدة آي القرآن إلا لأنها استوعبت كمال الذات الإلهية في دوام الحياة وكمال التدبير.

أولاً: ميكانيكا القيومية.. فهمُ السند المطلق

القيُّوم في اللغة العربية هو صيغة مبالغة من “القائم”، وهو الذي قام بنفسه فاستغنى عن كل ما سواه، وأقام غيره فافتقر إليه كل ما سواه. هذه هي الميكانيكا الإلهية التي تحكم الوجود؛ انفصالٌ في الذات واتصالٌ في التدبير. فالخلقُ كلهم، من المجرات الكبرى إلى الذرات الصغرى، في حالة استنادٍ دائمٍ لحظي لمدد الله الخالق.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في شرح هذا المعنى: «القيوم هو الذي قام بنفسه، فلا يحتاج إلى أحد، وقام به كل موجود، فلا يستغنى عنه موجود طرفة عين». إنَّ هذا الفهم يغير نظرتنا للعالم؛ فالمادة ليست صلبة بذاتها، والقوانين الفيزيائية ليست فاعلة بحد ذاتها، بل هي قائمة بإرادة (القيوم). قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر: 41].

ثانياً: تفكيك مخاوف الانهيار.. لماذا نخشى السقوط؟

تنبع مخاوفنا الإنسانية من شعورنا بالاعتماد على أسبابٍ متغيرة. عندما نعتمد على المال، نخشى الفقر؛ وعندما نعتمد على المنصب، نخشى العزل؛ وعندما نعتمد على البشر، نخشى الفراق. هذا ما نسميه “الارتباط بالأسباب الهشة”. أما المؤمن الذي استوعب معنى (القيوم)، فإنه يفكك هذه المخاوف من خلال إدراك أنَّ المسبب هو السند الحقيقي.

  • التحرر من وهم الاستقلالية: الإنسان ينهار حين يظن أنه قائم بنفسه. فإذا أدرك أن قيامه بالله، استراح من ثقل الوهم.
  • اليقين في دوام المدد: (القيوم) لا تأخذه سنة ولا نوم، وهذا يعني أن عين الرعاية لا تغفل، وأن يد التدبير لا تكل، مما يزيل خوف الإهمال أو الضياع في غياهب الكون.
  • تجاوز قوانين المادة: إذا كان القيوم هو من وضع القوانين، فهو القادر على خرقها لمن استند إليه، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم.

ثالثاً: ترميم معمار الثبات الوجودي

كيف يمكن لاسم الله (القيوم) أن يرمم أرواحنا المحطمة؟ إنَّ الثبات الوجودي يتحقق حين ينقل الإنسان مركز ثقله من “الخلق” إلى “الخالق”. إنَّ الاستناد إلى القيوم يحول الروح من حالة “الاضطراب” إلى حالة “السكون الفعال”.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الترميم الروحي في كل صباح ومساء، حيث كان يدعو: «يا حيُّ يا قيُّوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (رواه النسائي والحاكم وصححه الألباني). تأمل في قوله “ولا تكلني إلى نفسي”، إنها ذروة التوكل؛ فالتوكل على النفس هو بداية الانهيار، والتوكل على القيوم هو بداية الثبات.

إنَّ معمار الثبات يُبنى على ثلاثة أركان:

  1. التسليم بالافتقار: أن تعترف في كل لحظة أنك محتاج لله في نَفَسِك، ونبضك، وفكرك.
  2. المشاهدة القلبية: أن ترى يد الله تعمل وراء الأسباب، فلا تعظم سبباً ولا تخشى صرْفاً.
  3. دوام الذكر: فالذكر يربط القلب بالقيوم، والقلب الموصول بالقيوم لا يعرف السقوط.

رابعاً: اسم الله الأعظم والسكينة الكبرى

ذهب كثير من المحققين من العلماء إلى أن (الحي القيوم) هو اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى. والسر في ذلك -والله أعلم- أنَّ هذين الاسمين يجمعان صفات الذات وصفات الأفعال. فـ (الحي) يستلزم كمال الصفات، و (القيوم) يستلزم كمال الأفعال.

عندما تهتز أركان حياتك، وتشعر أنَّ الأرض تميد من تحت قدميك، نادِ بقلبٍ حاضر: “يا قيوم”. هذا النداء ليس مجرد كلمة، بل هو فعلُ استنادٍ كوني. إنه يعني: “يا من بيده قيام كل شيء، أقم اعوجاجي، وثبت قلبي، وارمم انكساري”. قال تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه: 111]. العنوُّ هنا هو الخضوع التام الذي يتبعه فيضٌ من السكينة والقوة.

خامساً: تجليات القيومية في الحياة اليومية

كيف نعيش في أنوار القيومية؟

أولاً: من خلال التوازن بين العمل والسكون. فالمؤمن يسعى في الأرض ويأخذ بالأسباب لأن القيوم أمره بذلك، لكن قلبه ساكنٌ لأنه يعلم أنَّ النتيجة بيد من يقيم الأسباب. ثانياً: من خلال الثبات عند الأزمات. فالذي يستند إلى جبلٍ لا يهتز مهما عصفت الرياح، والمؤمن المستند إلى القيوم لا يتزلزل ثباته مهما اشتدت الخطوب.

وفي الحديث الصحيح الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» (متفق عليه). هذا الذكر هو تأكيد على انفراد الله بالقيومية والتدبير في أصعب اللحظات.

خاتمة: نحو وجودٍ لا يتزعزع

إنَّ رحلتنا في فهم أنتولوجيا “السند المطلق” تنتهي بنا إلى حقيقة واحدة: لا قوام للعبد إلا بالله. إنَّ كل محاولة للثبات بعيداً عن كنف القيوم هي محاولة محكومة بالفشل والانهيار. إنَّ ترميم معمارنا الوجودي يبدأ من السجدة التي نعترف فيها بضعفنا، لنمُدَّ من خلالها جسور الاتصال بالقوي القيوم.

فيا من تشعر بوهن النفس، ويا من تخشى غدر الزمان، تذكر أنَّ لك رباً (قائماً على كل نفس بما كسبت)، رباً لا يغفل عنك ولا يتركك لضعفك. اجعل من (يا حي يا قيوم) رداء لروحك، ومسكناً لقلبك، وسوف تجد أنَّ الانهيار الذي كنت تخشاه قد تحول إلى بنيانٍ مرصوص من اليقين والثبات. (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الزخرف: 43].

نسأل الله عز وجل أن يحيي قلوبنا بذكره، وأن يقيم أرواحنا على طاعته، وأن يجعلنا ممن يستندون إليه في كل حال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *