خطر متزايد: حمى الضنك وشيكونغونيا على أعتاب أوروبا بسبب تغير المناخ
تثير دراسة حديثة نُشرت في مجلة "لانسيت بلانيتاري هيلث" مخاوف جدية بشأن مستقبل الصحة العامة في أوروبا. تكشف الدراسة عن أن حمى الضنك وحمى شيكونغونيا، وهما من الأمراض التي كانت تقتصر سابقًا على المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، قد تصبحان متوطنتين في القارة الأوروبية بسبب الاحتباس الحراري. هذا التغير المناخي يساهم في انتشار بعوض النمر الآسيوي (Aedes albopictus)، الناقل الرئيسي لهذه الأمراض، بالإضافة إلى التوسع الحضري المتزايد وحركة السكان.
الأرقام تتحدث: انتشار متسارع للأمراض
حاليًا، يواجه ما يقرب من أربعة مليارات شخص في 129 دولة خطر الإصابة بحمى الضنك أو شيكونغونيا. ومع ذلك، فإن التوسع المطرد لبعوض النمر شمالًا، مدفوعًا بارتفاع درجات الحرارة العالمية، يمثل تهديدًا خاصًا لأوروبا. فكلما ارتفعت درجة الحرارة، تسارعت دورة حياة البعوض، وزاد معدل تكاثر الفيروس داخل الحشرة.
تحليل شامل: عوامل متعددة تساهم في انتشار الأوبئة
تعد الدراسة المنشورة في "لانسيت بلانيتاري هيلث" الأولى من نوعها التي تحلل الروابط بين خطر تفشي حمى الضنك وشيكونغونيا في أوروبا ومجموعة واسعة من العوامل، بما في ذلك:
- المناخ: تأثير ارتفاع درجات الحرارة على دورة حياة البعوض وانتشار الفيروس.
- البيئة: التغيرات البيئية التي تسهل تكاثر البعوض.
- الظروف الاجتماعية والاقتصادية: تأثير الظروف المعيشية على انتشار الأمراض.
- التركيبة السكانية: توزيع السكان وكثافتهم.
- البيانات الحشرية: معلومات حول انتشار وتوزيع أنواع البعوض المختلفة.
استخدمت الدراسة، الممولة من برنامج "هورايزن" للبحث والابتكار، بيانات من مصادر موثوقة مثل المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها ومنظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى منشورات علمية حول تواجد بعوض النمر في أوروبا منذ وصوله في عام 1990 وحتى عام 2024.
تسارع وتيرة الانتشار: من بؤر محدودة إلى تهديد واسع النطاق
على الرغم من أن ظهور أولى بؤر المرض في أوروبا استغرق أكثر من 25 عامًا، إلا أن وتيرة ونطاق انتشار حمى الضنك وشيكونغونيا قد تسارعا بشكل كبير منذ عام 2010.
- في عام 2024 وحده، تم تسجيل 304 حالة إصابة بحمى الضنك، وهو رقم يتجاوز إجمالي الحالات المسجلة خلال الخمسة عشر عامًا السابقة بأكملها (275 حالة).
- تم تحديد حالات تفشّ محلية في أربع دول أوروبية: إيطاليا وكرواتيا وفرنسا وإسبانيا.
- وقعت غالبية الحالات (95%) بين شهري يوليو وسبتمبر، وتركز ثلاثة أرباعها في المناطق الحضرية وشبه الحضرية، بينما سُجل الربع المتبقي في المناطق الريفية.
ارتفاع درجة الحرارة: محفز رئيسي لانتشار الأوبئة
أظهرت الدراسة أن كل ارتفاع في درجة الحرارة خلال فصل الصيف بمقدار درجة واحدة يزيد من خطر انتشار الأوبئة. وخلص الباحثون إلى أن فصول الصيف التي تشهد درجات حرارة مرتفعة للغاية "تساهم في تضخيم هذه الظاهرة بشكل كبير".
مستقبل قاتم: توقعات بانتشار واسع النطاق
تشير هذه الاتجاهات المقلقة إلى أن "درجة الحرارة تظل عاملاً حاسماً في خطر الأوبئة المستقبلية، خاصة في ظل سيناريوهات المناخ المتطرفة". وتؤكد الدراسة على أن "هذه الأمراض تميل إلى أن تصبح متوطنة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي".
ما العمل؟
تستدعي هذه النتائج اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة على مستوى أوروبا للحد من انتشار بعوض النمر، وتعزيز أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وتطوير استراتيجيات فعالة للوقاية من حمى الضنك وشيكونغونيا وعلاجهما. يجب أن تشمل هذه الجهود:
- مكافحة البعوض: استخدام مبيدات حشرية آمنة وفعالة، والقضاء على مصادر تكاثر البعوض في المناطق الحضرية والريفية.
- التوعية العامة: تثقيف الجمهور حول طرق الوقاية من لدغات البعوض، وأعراض حمى الضنك وشيكونغونيا.
- البحث والتطوير: الاستثمار في تطوير لقاحات وعلاجات جديدة لهذه الأمراض.
- التعاون الدولي: تبادل المعلومات والخبرات بين الدول الأوروبية والمنظمات الدولية.
من خلال العمل معًا، يمكن لأوروبا أن تتخذ خطوات استباقية لحماية صحة مواطنيها من التهديد المتزايد لحمى الضنك وشيكونغونيا.


اترك تعليقاً