أزمة الهوية: «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون
في تطور دراماتيكي لقطاع التقنية، واجهت شركة أنثروبيك (Anthropic)، وهي شركة أبحاث وذكاء اصطناعي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها وتُعرف بمنافستها الشرسة لشركة OpenAI، ضربة قوية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. جاء ذلك بعد رفض مؤسسها، داريو أمودي، السماح باستخدام تقنيات الشركة في عمليات المراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين أو في تطوير طائرات مسيرة مسلحة قادرة على القتل دون تدخل بشري.
هذا الرفض دفع وزير الدفاع، بيت هيغسيث، إلى إدراج الشركة في القائمة السوداء، مما يعني حرمانها من عقود قد تصل قيمتها إلى 200 مليون دولار، فضلاً عن توجيهات رئاسية لجميع الوكالات الفيدرالية بوقف التعامل مع تقنياتها فوراً.
رؤية ماكس تيجمارك: جني ثمار غياب التنظيم
يرى ماكس تيجمارك، عالم الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومؤسس معهد «مستقبل الحياة»، أن ما يحدث لشركة «أنثروبيك» هو نتيجة مباشرة لقرار اتخذته الصناعة بأكملها منذ سنوات: مقاومة التنظيم القانوني والتمسك بالتنظيم الذاتي.
ويشير تيجمارك إلى أن شركات مثل «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي» (OpenAI)، و«غوغل ديب مايند» (Google DeepMind)، لطالما وعدت بحوكمة نفسها بمسؤولية. ومع ذلك، تراجعت هذه الشركات تدريجياً عن وعودها؛ حيث أسقطت «غوغل» شعار «لا تكن شريراً»، وقلصت «xAI» فرق الأمان، ومؤخراً تراجعت «أنثروبيك» عن تعهدها الأساسي بعدم إطلاق أنظمة قوية إلا بعد التأكد التام من سلامتها.
مفارقة «الساندوتش» والذكاء الاصطناعي
في نقد لاذع للوضع الراهن، يوضح تيجمارك الفجوة التشريعية قائلاً: «هناك قوانين تنظم سلامة الساندوتشات في أمريكا أكثر من قوانين تنظيم الذكاء الاصطناعي». فبينما يمنع مفتش الصحة بيع الطعام في حال وجود تلوث، لا توجد قوانين تمنع إطلاق أنظمة ذكاء اصطناعي قد تشكل خطراً على الأمن القومي أو الاستقرار الاجتماعي.
ويضيف أن الشركات لو كانت قد دعمت تحويل «تعهداتها الطوعية» إلى قوانين ملزمة منذ البداية، لما وجدوا أنفسهم اليوم في مأزق أمام مطالب الحكومة المفاجئة، لأن القانون كان سيحمي مبادئهم.
سباق التسلح مع الصين: عذر أم واقع؟
غالباً ما تتذرع شركات التقنية بالسباق مع الصين للهروب من التنظيم، لكن تيجمارك يرى أن هذا الطرح مضلل. فالصين نفسها بدأت بحظر «الرفقاء الافتراضيين» (AI Girlfriends) والذكاء الاصطناعي المجسم لأنها ترى فيه تهديداً لقوة شبابها وسيطرة الحزب الشيوعي.
ويؤكد تيجمارك أن «الذكاء الاصطناعي الفائق» ليس مجرد أداة، بل هو تهديد للأمن القومي إذا لم يتم التحكم فيه، مشبهاً السباق الحالي بسباق الأسلحة النووية في الحرب الباردة، حيث أدرك الطرفان في النهاية أن الانزلاق نحو المواجهة الشاملة يعني انتحار الجميع.
ماذا ينتظر مستقبل الوظائف والقطاع؟
أبدى تيجمارك قلقه من سرعة تطور هذه الأنظمة، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مستوى طالب ثانوية إلى مستوى أستاذ جامعي في وقت قياسي. وحذر طلابه في MIT من أن الوظائف قد تتغير جذرياً أو تختفي بحلول وقت تخرجهم.
بينما تقف «أنثروبيك» اليوم في عزلة، يبقى التساؤل: هل ستتضامن بقية العمالقة مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل» معها في وضع خطوط حمراء للاستخدام العسكري، أم أن إغراء العقود الحكومية الضخمة سيفوق اعتبارات السلامة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح العصر القادم للذكاء الاصطناعي.
المصدر: TechCrunch


اترك تعليقاً