مقدمة: الغائية الإلهية في ميثاق الغليظ
إن المتأمل في نصوص الشريعة الإسلامية يدرك أن الزواج ليس مجرد عقد قانوني لتنظيم الغرائز أو تكثير النسل، بل هو تليولوجيا (دراسة الغايات) متكاملة تهدف إلى بناء صرح روحي واجتماعي متين. إن مفهوم “العِشْرَةِ بِالـمَعْرُوفِ” يتجاوز الحدود الظاهرية للحقوق والواجبات، ليدخل في عمق السيكوديناميكا النفسية التي تربط بين روحين. يقول الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19]. هذه الآية تضع حجر الزاوية لعلاقة لا تقوم على النفعية المادية، بل على “الخيرية” المطلقة التي تستشرف مآلات الأمور وغاياتها الوجودية.
سيكوديناميكا الحقوق المتولدة عن المودة
في المنظور الإسلامي، الحقوق الزوجية ليست جامدة، بل هي ديناميكية تتحرك وفق مؤشر المودة والرحمة. عندما يتحدث القرآن عن العلاقة الزوجية، فإنه يستخدم مفردات تلامس الجوهر الوجودي للإنسان: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: 21]. هنا نجد أن “السكينة” هي الغاية، والمودة والرحمة هما الوقود المحرك لهذه الديناميكية.
إن سيكوديناميكا الحقوق تعني أن أداء الحق ليس مجرد إسقاط للواجب، بل هو عملية إحياء للطرف الآخر. فعندما يعامل الزوج زوجته بالمعروف، فإنه يرسل رسائل أمان للاشعور، مما يحفز استجابة مقابلة من العطاء الروحي. هذا التبادل ليس “مقايضة”، بل هو “ائتلاف” حيث يذوب “الأنا” في سبيل “النحن”، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم» (رواه الترمذي وصححه).
ترميم الماهية: كيف تشفي المودة جراح الروح؟
الإنسان بطبعه كائن يعتريه النقص والوهن، والزواج في الإسلام هو عملية “ترميم للماهية”. فالرجل والمرأة، كل منهما يحمل في طياته نقصاً وجودياً لا يكتمل إلا بوجود الآخر الذي يمثله في أبهى صور الاندماج الروحي. يقول تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) [البقرة: 187]. اللباس هنا ليس مجرد ستر مادي، بل هو ستر نفسي وعاطفي، هو الحماية والاحتواء والترميم لما قد تكسره الأيام.
عندما يسود “المعروف” في العشرة، تبدأ المودة في مداواة الندوب النفسية التي قد يحملها الفرد من تجاربه السابقة أو من ضغوط الحياة. الائتلاف الوجودي يحدث عندما يشعر كل طرف أن وجوده مكرس لرفعة الطرف الآخر وتزكيته. إنها رحلة من “النفس الواحدة” إلى “التعدد الوفاقي” ثم العودة إلى “الوحدة الروحية” تحت ظل مرضاة الله.
أركان العشرة بالمعروف كمنهج حياة
لتحقيق هذا الائتلاف الوجودي، لابد من تفعيل أدوات “المعروف” التي رسمتها السنة النبوية والمقاصد الشرعية، والتي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
- التغافل الواعي: وهو ركن أساسي في استمرار الود، فالعشرة لا تستقيم مع استقصاء الحقوق وتتبع العثرات.
- الكلمة الطيبة: وهي الأداة السحرية في ترميم الماهية، فالكلمة الجارحة تهدم في ثوانٍ ما بنته السنون.
- المشاركة الوجدانية: الوجود مع الآخر ليس مجرد حضور جسدي، بل هو حضور بالقلب والعقل (ائتلاف الوجدان).
- العدل الممزوج بالفضل: إن الوقوف عند حدود العدل وحده قد يجعل العلاقة جافة، بينما الفضل (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) هو الذي يضفي الروحانية على العلاقة.
تحقيق الائتلاف الوجودي في زمن الماديات
في عصرنا الحالي، تواجه الأسرة تحديات مادية ضخمة تحاول تحويل العلاقة الزوجية إلى عقد استهلاكي. هنا تبرز أهمية العودة إلى تليولوجيا العشرة؛ أي التذكير الدائم بالغاية الكبرى. الزواج في الإسلام هو مشروع “عبادي” قبل أن يكون “اجتماعياً”. عندما يستشعر الزوجان أن إحسان العشرة هو طريق للجنة، يتحول البيت من مجرد مسكن إلى “محراب” للسكينة.
إن الائتلاف الوجودي يتطلب أن يرى كل طرف في الآخر آية من آيات الله، تستوجب الشكر والوفاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب أروع الأمثلة في هذا الائتلاف، حيث كان يقول عن خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها بسنوات: «إني رُزقتُ حُبَّها» (رواه مسلم). الحب هنا “رزق” إلهي يبارك في الماهية ويحقق الخلود للذكرى الطيبة.
خاتمة: نحو رؤية روحانية للحقوق المتبادلة
إن العشرة بالمعروف ليست قائمة مهام، بل هي حالة شعورية وجودية تنبثق من تقوى الله في السر والعلن. إنها عملية بناء مستمرة للإنسان قبل البنيان. فعندما نُرمّم علاقاتنا بالمودة، نحن في الحقيقة نُرمّم أرواحنا ونقترب أكثر من الفطرة التي فطرنا الله عليها.
لنجعل من بيوتنا واحات للائتلاف، حيث لا مكان للتسلط أو الجفاء، بل هي رحمة تتنزل، ومودة تترسخ، وسكينة تلف الأرواح في رحلة المسير نحو الله تعالى، مسترشدين بقوله عز وجل: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) [النور: 26]. فليكن طيب العشرة هو هويتنا، ومعروف الأخلاق هو منهجنا، لننال خيري الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً