# قسوة القلب في رمضان: الداء العضال والدواء الفعال
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن من أعظم ما يُبتلى به العبد في دينه هو أن يمر عليه موسم الطاعات كشهر رمضان وقلبه غلف، لا يتأثر بآية، ولا يخشع في صلاة، ولا تدمع له عين من خشية الله.
القلب: مَلِكُ الأعضاء ومحلُّ نظر الخالق
عَنِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِي اللهُ عَنْهُما قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ».
تأملوا يا عباد الله في هذا الحديث العظيم، كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم صلاح الجسد كله منوطاً بصلاح هذه المضغة الصغيرة. إنها قطعة لحم هي أساسُ الصَّلاحِ والفَسادِ، يُعرفُ بها مِقدارُ إيمانِ العبادِ، وهي محلُّ نظرِ اللهِ سبحانه وتعالى من خلقه، فالله لا ينظر إلى الأجسام الضخمة ولا إلى الوجوه الجميلة، بل ينظر إلى ما انطوت عليه الصدور من حقائق الإيمان والإخلاص، قَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ».
تشخيص الواقع: هل تعاني من قسوة القلب؟
أخبروني يا عبادَ اللهِ، بصدقٍ مع أنفسكم، هل تجدونَ ما أجدُ في هذا الزَّمانِ من قسوةِ القلبِ؟ هل تُحسِّونَ بما أُحسُّ بهِ من ضعفِ المراقبةِ والخشيةِ؟
لقد أصبحنا نشتكي من فقدان لذة العبادة، فأينَ القلوبُ التي تخافُ من الذُّنوبِ؟ وأينَ الدُّموعُ التي كانت تنهمرُ مع الخشوعِ في صلاة التراويح والقيام؟ أينَ تلك السَّعادةُ الغامرة التي كنَّا نجدُها في العبادةِ قديماً؟ وأينَ الاطمئنانُ والسكون الذي كان يغشى أرواحنا عند قِراءةِ القُرآنِ؟
أينَ قُرَّةُ العينِ التي كان يجدها المُصلُّون في صلاتهم؟ وأينَ ما يشعرُ بهِ أهلُ الصَّلاحِ من الرَّاحةِ والانشراحِ؟ بل ها قد دخلَ رمضانُ، شهرُ الفتوحات والبركات، فأينَ الجِدُّ في العملِ والإحسانِ؟ أم قد أصابنا داءُ بني إسرائيلَ الذي حذرنا الله منه في كتابه الكريم حين قال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. ولقد توعَّدَ اللهُ أصحابَ هذه القلوبِ القاسية بالويل والهلاك، فقال عز وجل: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ}.
أسباب الجفوة بين العبد وربه
ما الذي أصابَ قلوبَنا حتى قَستْ هذه القسوةَ؟ وما الذي حال بيننا وبين التَّلذُّذِ بالعباداتِ؟ إن الأسباب كثيرة ومتنوعة، ومن أبرزها:
1. حبُّ الدُّنيا وحطيمِها: الانغماس المفرط في تملك حطام الدنيا ونسيان الآخرة يجعل القلب يركن إلى الأرض ويثقل عن الطيران في ملكوت الله.
2. ضعف الذكر: قِلةُ ذكرِ اللهِ تعالى والغفلة عن اليومِ الآخِرِ تجعل الشيطان يبيض ويفرخ في القلب.
3. الآفات الأخلاقية: كاحتقارِ النَّاسِ والكِبرُ والتَّفاخرُ، فكلها أمراض تقتل الحساسية الإيمانية في القلب.
4. الاستعداد الخاطئ لرمضان: حين يتحول رمضان في نظرنا من شهر صيام إلى شهر طعام، ومن شهر عبادة إلى شهر مسلسلات وأفلام. إن استقبال رمضان بالموائد العامرة والبحث عن الترفيه الإعلامي يقتل الروحانية قبل أن تبدأ.
تعدَّدتْ الأسبابُ والنتيجةُ واحدةٌ: قسوةُ القُلوبِ في شهرٍ خابَ وخسر من لم يغفرْ له فيه علَّامُ الغيوبِ.
صيدلية الإيمان: 5 أدوية لعلاج قسوة القلب
إذا علمنا الداء، فما هو الدواء؟ لقد لخص لنا الإمام ابنُ القَيِّمِ رحمه الله تَعالى المنهج العلاجي في كلمات تكتب بماء الذهب، حيث قال: (دواءُ القلبِ خمسةُ أشياءٍ: قراءةُ القرآنِ بالتَّدَّبرِ، وخلاءُ البطنِ، وقيامُ الليلِ، والتَّضَّرعُ بالأسحارِ، ومجالسةُ الصَّالحينَ)، ونظمها في قوله:
*دواءُ قلبِكَ خَمسٌ عندَ قسوتِـــه … فدُم عليها تَفُزْ بالخيرِ والظَّفَـرِ*
*خلاءُ بَطن ٍ وقُرآن ٌ تدبَّــــــــــرُهُ … كذا تَضَّرعُ باكٍ سَاعةَ السَّحـــرِ*
*كذا قِيامُك جُنحَ اللَّيل ِ أَوسطُهُ … وأن تُجالسَ أهلَ الخَيرِ والخَبرِ*
والعجيب أن هذه الأدوية الخمسة تجتمع بأبهى صورها في شهر رمضان:
أولاً: خلاء البطن (الصيام)
يتحقَّقُ هذا الدواء بالصِّيامِ في النَّهارِ، فالجوع في سبيل الله يكسر الشهوات، ويُضعف مجاري الشيطان في الإنسان. الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تفريغ للقلب من شواغل المادة ليتفرغ لرب العبادة. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وعَنْ أَبي أُمَامةَ البَاهِليِّ رَضيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ».
ثانياً: قيام الليل
قيامُ اللَّيلِ في رمضانَ هو مدرسة المتهجدين، وهو دواءٌ ناجع لقلبٍ تشعَّبتْ به المسالكُ في دروب الدنيا. في القيام ينفرد العبد بربه، ويبثه شجونه. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فهل يَستوي ليلُ من قضاهُ بينَ السَّهراتِ والفضائياتِ غافلاً، وبينَ ليلِ من قضاهُ ساجداً وراكعاً وقائماً؟ قال تعالى: {أَمْ مَّنْ هُوة قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.
ثالثاً: التضرع بالأسحار
تلك الساعات المتأخرة من الليل، قبيل الفجر، هي وقت التنزل الإلهي، ووقت إجابة الدعوات. إن الاستغفار في هذا الوقت علاجٌ نافعٌ لقلوبٍ أصبحت كالأحجار. قالَ تعالى في وصف المتقين: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
*إذَا مَا الَّليلُ أظلَمَ كَابَــــــــدُوه … فيسفرُ عنهمُ وهمُ ركــــــــوعُ*
*أطَارَ الخَوفُ نومَهُم فَقَامُــــوا … وَأهلُ الأمنِ فِي الدُنَيا هُجُوعُ*
*لَهُم تَحتَ الظَّلامِ وَهُمْ سُجُودٌ … أنِينٌ مِنهُ تَنفَرجُ الضُّلُـــــــــوعُ*
رابعاً: مجالسة الصالحين
القلب يتأثر بمن حوله، ومجالسةُ الأخيارِ تشحن الإيمان وتلين القسوة. لقد أُمرَ نبيُّنا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بمجالستِهم فقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. في رمضان، تجد الصالحين في المساجد، حديثُهم يبعثُ الأملَ، ومجالسُهم تحفُّهُا الملائكة.
خامساً: تدبر القرآن
وهو الدواء الأعظم، فتدَّبرُ القرآنِ بحيثُ يشتركُ فيه القلبُ مع العيونِ هو الشفاء الحقيقي. قالَ تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}. القرآن هو الذي يُثبت الفؤاد ويوقظه من غفلته، {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}. فاعتذرْ لكتابِ اللهِ تعالى من طولِ الهِجرانَ، وافتحْ معه صفحةً جديدةً في شهر القرآن.
ختاماً، هذه خَمسَةُ أَدويةٌ لِلقُلُوبِ القَاسيةِ قَد اجتَمَعَتْ لَكَ فِي رَمَضَانَ، وهي فرصة قد لا تتكرر، فَهَل سَنخرجُ من هذا الشهر الكريمة بِقُلُوبٍ لَيَّنَةٍ مَليئةٌ بِالخَشيَةِ والإيمانِ؟ نسأل الله أن يلين قلوبنا لذكره، وأن يرزقنا الخشوع والإنابة.


اترك تعليقاً