لغز القرار الكبير: من الذي أشعل فتيل حرب أمريكا وإيران؟
في مفاجأة مدوية خالفت مسار المفاوضات الملموسة، اندلعت حرب أمريكا وإيران لتضع العالم أمام تساؤل جوهري: هل دخلت واشنطن هذه المواجهة بمحض إرادتها السياسية، أم أنها استُدرجت إلى ساحة المعركة بضغط إسرائيلي؟
ثلاث منصات إعلامية أمريكية بارزة قدمت قراءات متباينة تكشف كواليس صنع القرار في البيت الأبيض وتفكك شيفرة العلاقة المعقدة بين واشنطن وتل أبيب.
1. رواية "التبعية": هل جُرّت واشنطن إلى الفخ؟
تبنى موقع إنترسبت (The Intercept) وجهة نظر حادة، حيث أكد مراسله "نيك تورس" أن الولايات المتحدة وجدت نفسها "مجرورة" إلى هذه الحرب نتيجة خطة إسرائيلية مسبقة لضرب طهران.
أبرز الأدلة التي ساقها التقرير:
- تصريحات ماركو روبيو: استند التقرير إلى إحاطة وزير الخارجية الأمريكي التي أشار فيها إلى أن الضربة كانت استباقية لمنع هجوم إيراني حتمي رداً على تحرك إسرائيلي وشيك.
- اعتراف نتنياهو: وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحرب بأنها فرصة ذهبية انتظرها لـ 40 عاماً لضرب ما وصفه بـ "نظام الإرهاب"، مشيداً بدعم ترمب والجيش الأمريكي.
- الغطاء السياسي: يرى المستشار السابق "برايان فينوكان" أن مبررات روبيو قد تكون مجرد غطاء لرغبة ترمب الشخصية في التصعيد، رغم قدرة واشنطن تقنياً على كبح جماح إسرائيل.
2. رواية "التناغم الإستراتيجي": إرادة البيت الأبيض المستقلة
على النقيض تماماً، دافعت صحيفة وول ستريت جورنال عن استقلالية القرار الأمريكي، واصفةً الحديث عن "جرّ" إسرائيل لترمب بأنه نوع من "نظرية المؤامرة".
رؤية الصحيفة تتلخص في النقاط التالية:
- توقيت لا قرار: إسرائيل لم تفرض قرار الحرب، بل ساهمت في تحديد "التوقيت" فقط، بينما كان التخطيط للعملية مشتركاً ومنسقاً.
- أهداف وقائية: تمتلك أمريكا أسباباً خاصة لمهاجمة إيران، أبرزها تحجيم البرنامج النووي وتدمير القدرات الباليستية، وما تصريحات روبيو إلا لتوفير الأساس القانوني (الدفاع عن النفس) أمام الرأي العام.
- المسهّل لا المحرك: وصفت الصحيفة إسرائيل بأنها "مضاعِف قوة" للولايات المتحدة وليست المحرك الأساسي للقرار.
3. رواية "التحالف العضوي": إسرائيل كسلاح أمريكي
قدم المحلل "هال براندز" عبر بلومبيرغ قراءة أكثر عمقاً، معتبراً أن هذه الحرب هي نتاج تحالف عسكري متكامل وتناغم استخباري غير مسبوق، محولاً إسرائيل من مجرد حليف إلى "سلاح أمريكي" في المنطقة.
تطور الشراكة التاريخية بحسب براندز:
- مرحلة الحذر (1956-1991): كانت واشنطن تضبط التحركات الإسرائيلية وتستبعدها من بعض الحروب (مثل حرب الخليج) للحفاظ على التحالفات العربية.
- مرحلة النضج (اتفاقيات أبراهام): غيّر التهديد الإيراني المشترك واتفاقيات التطبيع طبيعة العلاقة، مما سمح بظهور قوة موحدة قادرة على إعادة هندسة الشرق الأوسط.
- المفارقة الكبرى: قوة إسرائيل العسكرية تجعلها الحليف المثالي لترمب، لكنها تمنحها في الوقت ذاته القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة قد تضع واشنطن أمام الأمر الواقع.
خلاصة التحليل: تداخل المصالح والقرار الضبابي
تثبت التغطيات الإعلامية الأمريكية أن حرب أمريكا وإيران ليست مجرد صدام عسكري، بل هي انعكاس لتعقيدات سياسية عميقة. وبينما يراها البعض تبعية واضحة، ويراها آخرون شراكة ندية، يبقى الأكيد أن تداخل المصالح بين واشنطن وتل أبيب قد وصل إلى نقطة لا يمكن فيها الفصل بين قرار العاصمتين، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول مدة هذه الحرب وأهدافها النهائية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً