الصراع الإيراني الإسرائيلي: عمالقة من طين في مهب الريح
تتجلى في الأفق ملامح مواجهة كبرى تجمع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم القوة التدميرية الهائلة التي يستعرضها كل طرف، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد تؤكد أن هذه القوى تعاني من هشاشة داخلية تجعلها أضعف بكثير مما تبدو عليه في الخطابات الرسمية.
الولايات المتحدة: انقسام "أمريكا أولاً" مقابل "إسرائيل أولاً"
تعيش واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترمب حالة من التشرذم السياسي السحيق. فبينما تحاول منصات إعلامية كبرى رسم صورة لجبهة موحدة تسعى لدفع البلاد نحو مواجهة عسكرية مع إيران، تظهر الحقائق عكس ذلك تماماً:
- تآكل المصداقية: استطلاعات الرأي تظهر رفضاً شعبياً أمريكياً واسعاً للانخراط في حروب جديدة.
- تفكك قاعدة "ماغا": بدأت الكتلة الصلبة المؤيدة لترمب في التفكك نتيجة تغليب مصالح إسرائيل على المصالح الوطنية الأمريكية.
- صعود أصوات معارضة: تبرز شخصيات مثل تاكر كارلسون ونيك فوينتس لتعرية شعار "إسرائيل أولاً" الذي بات يهيمن على القرار السياسي الجمهوري، مما قد يكبد الحزب أثماناً باهظة في الاستحقاقات الانتخابية.
أسطورة "المنعة" الإسرائيلية وتحدي البقاء
رغم الآلة الدعائية الضخمة، تواجه إسرائيل أزمات وجودية غير مسبوقة. فالمشروع الصهيوني الذي قام على أساس استيطاني يواجه اليوم تحديات بنيوية:
- نزيف الهجرة العكسية: تزايد أعداد الإسرائيليين الذين يغادرون المستعمرة بشكل نهائي.
- الاستنزاف العسكري: تحولت إسرائيل إلى "ثكنة عسكرية" مستنزفة في حروب لا تنتهي في غزة ولبنان وسوريا، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران.
- تآكل الدعم الغربي: هناك تحول جذري في الرأي العام الأوروبي والأمريكي تجاه الصهيونية كفكر استعماري استنفد رصيده.
إيران: أزمة الشرعية الداخلية وفخ "البهلوية"
على الجانب الآخر، لا تبدو إيران بمنأى عن الهشاشة؛ حيث يواجه النظام الحاكم معضلة في استيعاب المكونات الحيوية للمجتمع المدني. هذا الفراغ سمح لتيارات مدعومة صهيونياً، مثل "البهلوية"، بالظهور على منصات التواصل الاجتماعي.
ورغم الضجيج الذي تحدثه هذه التيارات، إلا أنها تظل فقاعة جوفاء تفتقر للقاعدة الشعبية الحقيقية في الداخل الإيراني. إن قدرة إيران على المقاومة تظل رهينة بمدى استثمار الدولة في مواردها البشرية ومجتمعها المدني الأصيل.
زلزال سياسي في قلب نيويورك
يعد فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك مؤشراً حاسماً على تغير موازين القوى داخل الولايات المتحدة. فوز مرشح يناصر الحق الفلسطيني بقوة في مدينة كانت تعتبر معقلاً حصيناً للنفوذ الصهيوني يثبت أن:
- حقبة الدعم المطلق وغير المشروط لإسرائيل قد بدأت في الزوال.
- هناك وعي سياسي جديد يتشكل عابراً للأحزاب التقليدية.
- القضية الفلسطينية باتت محركاً أساسياً للناخبين في قلب الغرب.
الخاتمة: لحظة تاريخية لإعادة رسم معالم المنطقة
إن الصراع الإيراني الإسرائيلي الحالي يضع مستقبل المنطقة برمتها على المحك، من البحر المتوسط إلى شبه القارة الهندية. إنها لحظة فارقة تتطلب من العالم العربي والإسلامي اتخاذ موقف مبدئي راسخ، والعمل على لم الشمل لمواجهة الأطماع التوسعية وتحقيق الانعتاق الكامل من أغلال التبعية والارتهان للقوى الخارجية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً