شهاب الدين “أفوقاي” الأندلسي: قصة رحالة دافع عن الموريسكيين في أوروبا

شهاب الدين “أفوقاي” الأندلسي: قصة رحالة دافع عن الموريسكيين في أوروبا

شهاب الدين أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي، المعروف بـ "أفوقاي"، شخصية موريسكية بارزة في القرن السابع عشر، جمعت بين الرحالة والمترجم والدبلوماسي. تميز بدفاعه المستميت عن حقوق الموريسكيين في أوروبا، وبتوثيق معاناة الشتات الأندلسي. فمن هو هذا الرجل، وما هي قصة حياته ورحلته؟

من غرناطة إلى مراكش: رحلة الهروب من القمع

ولد شهاب الدين عام 1569 في قرية الحجر الأحمر بالقرب من غرناطة، وعاش طفولة وشبابًا تحت وطأة القمع الديني والثقافي الذي مارسته السلطات الإسبانية على الموريسكيين. أجبر على اعتناق المسيحية ظاهريًا وحمل اسمًا إسبانيًا ("دييغو بيخارانو")، لكنه حافظ سرًا على هويته الإسلامية، وتعلم اللغة العربية وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم.

قبيل صدور قرار الطرد النهائي للموريسكيين عام 1609، قرر شهاب الدين الهروب إلى المغرب عام 1598، متذرعًا بزيارة والده في إشبيلية. ومن البرتغال، سافر على متن سفينة تجارية إلى ميناء البريجة (الجديدة حاليًا)، حيث استقبله القائد محمد بن إبراهيم السفياني، وأرسله إلى السلطان السعدي أحمد الذهبي في مراكش.

في البلاط السعدي: مترجمًا وكاتبًا ومدافعًا عن الحق

استقر شهاب الدين في مراكش، وتزوج من ابنة أحد قادة ثورة البشرات، وأنجب منها أربعة أبناء. عمل مترجمًا وكاتبًا في البلاط السعدي، وخدم السلاطين المنصور الذهبي وزيدان وابنيه عبد الملك والوليد.

في عام 1611، أرسله السلطان زيدان سفيرًا إلى أوروبا للدفاع عن حقوق الموريسكيين الذين نهبت ممتلكاتهم من قبل السفن الفرنسية. خلال هذه المهمة، لقب بـ "أفوقاي"، وهو لقب يُعتقد أنه مشتق من الكلمة الإسبانية "أبوغادو" (المحامي)، تقديرًا لجهوده في الدفاع عن قضايا الموريسكيين.

رحلة إلى أوروبا: مناظرات ودفاع عن الإسلام

قاد شهاب الدين وفدًا أندلسيًا إلى فرنسا وهولندا، حيث سعى إلى استعادة الممتلكات المنهوبة، وإيجاد دعم لقضية الموريسكيين لدى الحكومات الأوروبية. خلال رحلته، خاض مناظرات حادة مع قساوسة ورهبان مسيحيين ومستشرقين أوروبيين، دافع فيها عن الإسلام، وكشف زيف المعتقدات المسيحية، مستندًا إلى معرفته العميقة باللاهوت المسيحي والواقع الأوروبي.

استمرت هذه المحاورات حتى بعد عودته إلى المغرب، وتبادل الرسائل مع خصومه الأوروبيين، وهي الرسائل التي حُفظت في الأرشيف الأوروبي وترجمت إلى لغات عدة.

أعماله ومؤلفاته: توثيق للتاريخ الموريسكي

بعد عودته من أوروبا عام 1613، واصل شهاب الدين عمله في البلاط السعدي، وترجم العديد من الكتب العلمية إلى اللغة العربية. من أبرز أعماله:

  • "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب" (رحلة أفوقاي الأندلسي): كتاب مفقود، يضم سيرته الذاتية، ومعاناة الموريسكيين، ووصفًا لرحلته إلى أوروبا ومناظراته الدينية. لم يعثر إلا على شذرات منه ضمن مخطوط بعنوان "زهرة البستان في نسب أخوال سيدنا المولى زيدان".
  • "ناصر الدين على القوم الكافرين": مختصر لكتاب "رحلة الشهاب"، يركز على مناظراته مع المستشرقين الأوروبيين بشأن قضايا دينية. توجد نسخ منه في دار الكتب بالقاهرة والمكتبة الوطنية بباريس. يعتبر هذا الكتاب من أهم المصادر التاريخية الأندلسية التي كتبت بعد قرار طرد الموريسكيين.
  • ترجمة "العز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع": ترجمة لكتاب في المدفعية ألفه بحار موريسكي يدعى إبراهيم بن غانم الرياش.
  • ترجمة "الرسالة الزكوتية": ترجمة لرسالة كتبها موريسكي آخر يدعى إبراهيم السلمنقي، تتضمن شكاوى الموريسكيين ومواقفهم.

نهاية الرحلة: لغز يكتنف الغياب

في عام 1636، قرر شهاب الدين زيارة الحرمين الشريفين. وبعد أدائه فريضة الحج، توقف في مصر، حيث عمل في دكان أحد الأندلسيين، والتقى بعلماء الأزهر، بمن فيهم شيخ المالكية علي الأجهوري، الذي شجعه على تدوين قصص رحلاته.

غادر مصر إلى تونس، وهناك انقطعت أخباره، ولا يعرف تاريخ وفاته أو مكان دفنه، تاركًا وراءه إرثًا من الكفاح والدفاع عن الحق، وتوثيقًا هامًا للتاريخ الموريسكي.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *