ما وراء الصواريخ: التكلفة البشرية الباهظة للصراع الإقليمي في بيروت وغزة
بينما تتجه أنظار العالم نحو شاشات الرادار لمتابعة تطورات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتكشف في أزقة بيروت وخيام غزة فصول مأساوية لأزمة إنسانية لا تُقاس بقوة الانفجارات، بل بمرارة الفقد وقسوة الحرمان.
تُظهر التقارير الميدانية الأخيرة من صحيفة "إندبندنت" البريطانية ومجلة "+972" أن الأزمة الإنسانية في لبنان وغزة قد تجاوزت حدود الصراع العسكري، لتتحول إلى معركة بقاء يومية لمدنيين وجدوا أنفسهم وقوداً لحرب لا يملكون فيها قراراً.
بيروت: عاصمة النزوح والبيوت المهجورة
تشهد العاصمة اللبنانية بيروت موجة نزوح غير مسبوقة، حيث ترصد التقارير تحول الضاحية الجنوبية -التي يقطنها نحو نصف مليون نسمة- إلى منطقة شبه خالية تحت وطأة الغارات المكثفة.
أرقام صادمة من قلب المعاناة:
- الضحايا: مقتل ما لا يقل عن 570 شخصاً منذ بدء التصعيد الأخير.
- النازحون: إجبار نحو 700 ألف شخص على ترك منازلهم، بينهم 100 ألف نزحوا خلال 24 ساعة فقط.
- مراكز الإيواء: تحول المدارس والملاعب الرياضية إلى مخيمات مؤقتة، مع عجز تام عن استيعاب الأعداد المتزايدة.
تنقل شهادات النازحين، مثل السيدة "فاطمة" (82 عاماً)، حجم الهلع؛ حيث فرت بملابسها فقط تاركة خلفها أدويتها الضرورية، لتجد نفسها في ملعب رياضي يفتقر لأدنى مقومات الحياة. هذه القصص تعكس واقعاً مريراً لآلاف العائلات التي تفترش الشوارع والواجهة البحرية لبيروت.
غزة: ذعر الأسواق وشبح المجاعة المتجدد
على الجانب الآخر، تسببت الحرب الإقليمية في إعادة فتح أبواب الجحيم في قطاع غزة. فبمجرد اندلاع المواجهة مع إيران، أُغلقت المعابر، مما أدى إلى موجة هلع اقتصادي وصحي زادت من تعقيد الأزمة الإنسانية في لبنان وغزة.
تداعيات إغلاق المعابر في غزة:
- الانهيار الاقتصادي: قفزت أسعار السلع الأساسية إلى أكثر من 3 أضعاف، وسط تراجع حاد في القدرة الشرائية.
- الأزمة الصحية: ينتظر أكثر من 18 ألف مريض (بينهم 4 آلاف طفل) الإجلاء الطبي، بينما تتبخر آمالهم مع كل إغلاق للمعابر.
- غياب الأمان: رغم الحديث عن وقف إطلاق النار، سُجل مقتل 648 شهيداً منذ أكتوبر 2025، بينهم صحفيون ومدنيون في خيام النازحين.
التهميش السياسي والإعلامي
تخشى الأوساط الشعبية في غزة أن يؤدي اتساع رقعة الصراع الإقليمي إلى تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم. هذا "الكسوف الإعلامي" يمنح الاحتلال هامشاً أوسع لتشديد الحصار ومواصلة العمليات العسكرية بعيداً عن ضغوط الرأي العام العالمي.
خلاصة القول
إن الصراع الدائر بين العواصم والجيوش يترك خلفه ندوباً لا تندمل في أجساد المدنيين. وسواء كان النازح في ملعب ببيروت أو الجائع في خيمة بغزة، يبقى السؤال المرير الذي يتردد على ألسنتهم: "الحرب بين قوى كبرى.. فلماذا ندفع نحن الثمن؟"
تبقى الاستجابة الدولية حتى الآن دون المستوى المطلوب، في ظل تراجع الموارد المتاحة وتعقيد المشهد الميداني، مما ينذر بكارثة إنسانية قد تتجاوز في آثارها ما شهده لبنان في حروبه السابقة.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً