العشر الأواخر من رمضان: اغتنم ليلة القدر وأرِ الله من نفسك خيراً

مقدمة: رحيل الأيام وبقاء الأثر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنكم في أيامٍ لا تُعوض، وليالٍ لا تُقدر بثمن، قال الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].

أيها المسلمون؛ تأملوا في سرعة انقضاء الزمان، وتعاقب الأيام والشهور. قبل ليالٍ معدودة، كان بعضنا يهنئ بعضًا ببزوغ هلال شهر رمضان المبارك، واليوم ها نحن قد دخلنا في أفضل لياليه، وأعظم ساعاته. فليت شعري من منا اجتهد في أوله، فيوفق للاجتهاد في آخره؟! ومن منا سيستدرك نفسه بتوبة صادقة من تقصيره فيُغفر له بها ما مضى ويُعان فيما بقي؟! ومن منا سيظل على غفلته وسدرته فلا يحرم في هذه المواسم إلا نفسه؟! إن العاقل هو من يقف مع نفسه وقفة محاسبة، ليرى أين هو من الركب السائر إلى الله.

حقيقة الافتقار إلى الله والمسؤولية الفردية

إن الله جل وعلا غني عن عباده، وعن طاعاتهم، وعن قيامهم وصيامهم، ولكننا نحن المحتاجون إليه، والفقراء إلى رحمته. يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: 15 – 18].

تأملوا هذا النداء الرباني؛ إن تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح في هذه العشر إنما هي لمصلحة العبد ذاته، فالله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين. ويؤكد سبحانه هذه الحقيقة في مواضع شتى من كتابه، ليقطع دابر الاتكال أو الغرور، فيقول سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صالحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15]. ويقول عز وجل: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [الروم: 44، 45].

إننا في هذه العشر مدعوون للبذل والاجتهاد، ولكن البعض قد يبخل بوقته وجهده، وفي ذلك يقول تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]. وفي الحديث القدسي العظيم الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (رواه مسلم).

التحذير من التسويف والتأخر عن ركب الصالحين

عباد الله؛ إلى متى يمضي الوقت على أحدنا، ويذهب عمره هباءً منثوراً، وهو لا يزال يؤجل ويؤخر ويتكاسل؟! إن التوفيق للخير ليس مجرد تمنيات، بل هو ثمرة للجد والاجتهاد والصدق مع الله. إنه لا يوفق للخير إلا من أخذ نفسه بالحزم وتقدم، وأما من أطاع نفسه في كسلها وهواها فتأخر، فعقوبته أن يوكل إلى نفسه ويؤخر عن مراتب القرب؛ وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: «تقدموا فائتموا بي، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله».

إنها النفس يا عباد الله، هي الميدان الأول، إن عودتها التقدم في ميادين الخير والسبق في الطاعات تقدمت وأفلحت بإذن الله، وإن تركتها لهواها تأخرت فخسرت وبادت. فالخير عادة، والشر لجاجة، والحسنة تنادي أختها، ومن عقوبة السيئة والكسل إتباعها بمثلها. ومن حُرم الخير في مواسم الخير، وفي هذه الليالي التي تفتح فيها أبواب السماء، فهو المحروم حقًّا.

العشر الأواخر: سوق عظيمة للأرباح الأخروية

هذه العشر التي نحن فيها ليست مجرد أيام وليالٍ عادية، بل هي سوق عظيمة من أسواق الآخرة، يتنافس فيها المتنافسون، ويربح فيها الصائمون القائمون المخلصون. ولا يخسر في هذه السوق إلا المحروم الذي غبن نفسه، إذ تمر به نفحات الرب ومواسم الفضل فيعرض عنها وكأن الأمر لا يعنيه، ويرى المؤمنين من حوله يصلون ويتهجدون ويتسابقون في الطاعات، ثم هو لا يحرك ساكناً، ولا يحاول اللحاق بهم، وكأنما قد استغنى عن رحمة الله وعفوه!

وصدق الله تعالى إذ قال في وصف هؤلاء الذين ضلوا الطريق: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من التفريط في هذا الشهر: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم» (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

كيف نستثمر العشر الأواخر؟ (نصائح عملية)

أيها المسلمون؛ إنكم في عشر مباركة، كان قدوتكم ونبيكم عليه الصلاة والسلام يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، فكان يحيي ليله، ويوقظ أهله، ويشد مئزره. فاللهَ اللهَ في أنفسكم، وأروا ربكم من أنفسكم خيرًا. خذوا أنفسكم بالجد والصبر، واعلموا أن هذه المشقة يسيرة في مقابل الأجر العظيم.

ومما يعينكم على الاستمرار وعدم الملل في هذه العشر:
1. تنويع العبادات: لا تقتصروا على نوع واحد، بل اجعلوا لأنفسكم نصيباً من كل طاعة. اجعلوا ساعةً في صلاة متبتلة، وساعةً في تلاوة كتاب ربكم بتدبر، وساعةً في الدعاء والتضرع، وساعةً في الذكر والاستغفار، وساعةً للبر والصلة والإحسان والصدقة.
2. استحضار الأجر: تذكروا أن هذه الليالي ساعات محدودة، وما هي إلا أيام قليلة ويذهب التعب والنصب، ويُنسى السهر والدأب، ويبقى الأجر مدخراً عند الله بإذن الله.
3. المسارعة قبل النقص: إن شهرنا قد أخذ في النقص، فلنَزِدْ نحن في العمل. إن من نعم الله علينا أن جعل ختام الشهر هو أفضل أيامه، فهي فرصة ذهبية لمن فرط في أول الشهر أو اعتراه الضعف أن يتدارك نفسه ويجبر كسر عمله.

ليلة القدر: تاج العشر وغنيمة المؤمنين

أيها الصائمون؛ إن في هذه العشر المباركة ليلة القدر، وهي الليلة التي شرفها الله بإنزال القرآن، ووصفها بأنها مباركة. العمل الصالح فيها، من صلاة وذكر ودعاء، خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر. وألف شهر تعدل أكثر من ثلاث وثمانين سنةً، فهل يستوعب عقل حجم هذا الربح؟! أي ربح سيربحه من وُفِّق لقيام هذه الليلة إيماناً واحتساباً؟! وأي خسارة فادحة سيُمنى بها من غفل عنها حتى انقضت؟!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري). وقد أخفى الله سبحانه علم هذه الليلة علينا رحمةً بنا؛ لكي لا نتكل على ليلة واحدة، بل لنكثر من العمل والطلب في العشر كلها، فنزداد منه تعالى قربًا، ويزيدنا برحمته أجرًا وثوابًا. كما أخفيت ليتبين الجاد الصادق في طلبها ممن كان كسلان خاملًا لا يصبر على طاعة ربه.

التماس ليلة القدر والدعاء المأثور

لقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على التماس ليلة القدر وتحريها في ليالي الوتر من العشر الأواخر، وأكد أنها في السبع الأواخر أقرب؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر – يعني: ليلة القدر – فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي» (رواه مسلم).

فاحرصوا – رحمكم الله – على تحريها في كل ليلة من ليالي العشر، وقوموا مع أئمتكم في صلاة التراويح والتهجد، فإنه «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة». وأكثروا فيها من الدعاء بقلوب موقنة بالإجابة، وخاصةً بذلك الدعاء العظيم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألته: إن وافقت ليلة القدر، فبمَ أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني».

ختاماً؛ يا عباد الله، قدموا لأنفسكم واعلموا أنكم ملاقو ربكم، ونافسوا في ميادين الخير والصلاح، واتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرًا لأنفسكم؛ فما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت. جعلنا الله وإياكم ممن يوفق لقيام ليلة القدر، وممن يخرج من هذا الشهر بمغفرة وعتق من النيران.

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 – 5].

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *