# دليل المشتاقين لاغتنام العشر الأواخر من رمضان
الحمد لله رب العالمين، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، والصلاة والسلام على مبعوث العناية الإلهية، سراج العالمين وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
لقد أظلتنا أيام مباركة، وليالٍ هي غرة الزمان، وعنوان الفضل والامتنان؛ إنها ليالي العشر الأواخر من رمضان. هذه الليالي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصها بما لا يخص غيرها من العبادة والاجتهاد، فهي مضمار السباق، وموسم الأرباح، وملاذ المنقطعين إلى الله عز وجل. إن فضل هذه الليالي لا يحيط به وصف، فهي الليالي التي شرفها الله بليلة القدر، تلك الليلة التي قال عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).
إن العبادة في هذه الليالي، وخاصة ليلة القدر، تعدل في ميزان الله عبادة أكثر من ألف شهر، أي ما يزيد عن ثلاث وثمانين سنة من العمل المتواصل. ولكي لا تذهب هذه النفحات هباءً، ولكي يستثمر المسلم كل لحظة من لحظات هذا الكنز الزمني، صغنا لكم هذه النصائح العشر، لتكون نبراساً يعينكم -بعد توفيق الله- على حسن الاستفادة والقبول.
أولاً: الإخلاص والاتباع.. جناحا القبول
إن أول ما يجب أن يفتتح به المسلم هذه العشر هو تجديد النية وتجريد الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فليعلم العبد أن العمل لا يُرفع ولا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله، موافقاً لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، وقد فسرها السلف بالمخلصين الذين اتقوا الشرك والرياء.
كما أن الاتباع هو الركن الثاني للقبول، فلا بد من الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليالي. فقد كان عليه الصلاة والسلام يعتكف فيها طلباً لليلة القدر، وكان يحيي ليله بالقيام والذكر والدعاء. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في وصف حاله: «كان صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر، شدَّ مِئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهلَه» (رواه البخاري). فاحرص أخي المسلم على إحياء سنة الاعتكاف إن تيسر لك، أو على الأقل تشبه بالصالحين في اجتهادهم.
ثانياً: الاستعانة بالله والتبرؤ من الحول والقوة
لا يظنن ظانٌّ أنه بقوته أو نشاطه سيبلغ ليلة القدر، بل هو محض توفيق من الله سبحانه. لذا، أكثر من الدعاء والابتهال بأن يعينك الله على ذكره وشكره وحسن عبادته. تذكر دائماً قول الله تعالى على لسان نبيه شعيب: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88]. إن العبد ضعيف بنفسه، قوي بربه، فإذا وكلت نفسك إلى قوتك خُذلت، وإذا التجأت إلى الله أعانك وسدد خطاك وفتح لك أبواب الطاعات التي لم تكن تخطر لك على بال.
ثالثاً: استحضار القرب من الآخرة وتذكر الموت
إن تذكر الموت وانقطاع الأمل هو أعظم دافع للاجتهاد في الطاعة. فكم من قريب وصديق كان معنا في رمضان الماضي، وهو اليوم تحت التراب مرتهن بعمله؟ اجعل شعارك في هذه العشر: “لعلي لا أدركها مرة أخرى”. هذا الشعور يورث في القلب رقة، وفي النفس نشاطاً، وفي الجوارح طاقة للعبادة. قال سبحانه وتعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]. فإذا استشعر العبد فناء الدنيا، بادر لاغتنام الباقيات الصالحات قبل فوات الأوان.
رابعاً: الحذر من العجب بالعمل
إياك ثم إياك أن يدخل قلبك العجب بما قدمت من صيام أو قيام أو صدقة. إن العجب يحبط العمل ويمحق البركة. كن دائماً بين الخوف والرجاء؛ تخاف ألا يُقبل منك، وترجو رحمة ربك. تأمل في صفات المؤمنين المسارعين في الخيرات كما وصفهم الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]. وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، فقال: «هم الذين يصومون ويُصلون ويتصدَّقون، وهم يخافون ألا يُقبل منهم» (رواه الترمذي). فاجعل التواضع لله ديدنك، والافتقار إليه شعارك.
خامساً: عدم الانشغال بتتبع الرؤى والعلامات
من الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون انشغالهم بتتبع الرؤى والمنامات حول تحديد ليلة القدر، أو البحث عن علاماتها في صبيحة كل ليلة، مما قد يفتر عزائمهم في الليالي التالية. اعلم يقيناً أن من قام العشر الأواخر كلها، وأحيا لياليها بالعبادة، فقد أدرك ليلة القدر بلا شك. فلا تضيع وقتك في القيل والقال، واجعل شغلك الشاغل هو العمل والاجتهاد في كل ليلة من هذه الليالي المباركة.
سادساً: الحذر من لصوص الوقت (الأسواق والقنوات)
إن هذه الليالي هي أغلى دقائق العمر، فمن التفريط العظيم والحرمان المبين أن تُقضى في الأسواق لشراء ملابس العيد، أو خلف شاشات القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي. إن الأسواق هي أبغض البلاد إلى الله، فكيف يليق بالمؤمن أن يترك بيوت الله ومحاريب العبادة في أفضل الليالي ليذهب إلى أماكن الغفلة؟ احرص على إنهاء التزاماتك الدنيوية قبل دخول العشر، لتتفرغ تماماً لما هو أهم وأبقى.
سابعاً: المداومة على الاجتهاد وعدم الفتور
يعمد البعض إلى الاجتهاد الشديد في ليلة سبع وعشرين فقط، ظناً منهم أنها ليلة القدر جزماً، ثم يصيبهم الفتور في الليالي التي تليها. وهذا من عمل الكسالى الذين فاتهم فضل المداومة. إن السنة النبوية علمتنا أن ليلة القدر هي في الأوتار من العشر الأواخر، وقد تكون في الشفع منها أيضاً. لذا، فإن الموفق هو من استمر على وتيرة واحدة من الجد والاجتهاد من أول ليلة في العشر إلى آخر ليلة فيها، ليكون من الفائزين يقيناً.
ثامناً: اليقين بأن ليلة القدر متنقلة
يجب على المسلم أن يعتقد ما دلت عليه النصوص الصحيحة من أن ليلة القدر ليلة متنقلة في ليالي العشر، وليست ثابتة في ليلة معينة في كل عام. وهذا من عظيم رحمة الله بعباده، لكي يظلوا في حالة من العبادة والترقب طوال العشر، فيزدادوا قرباً من الله، وتزداد حسناتهم، وترتفع درجاتهم. فلو كانت معلومة محددة، لاقتصر الناس على قيامها وتركوا ما سواها، ففوتوا على أنفسهم خيراً كثيراً.
تاسعاً: فقه الأولويات في ليلة سبع وعشرين
يندفع الكثير من المسلمين لأداء العمرة في ليلة سبع وعشرين تحديداً، مما يسبب زحاماً شديداً قد يخرج العبادة عن روحها. وهنا يجب التنبيه على أمور:
1. ليلة القدر غير ثابتة في ليلة سبع وعشرين، فقد تكون قبلها أو بعدها.
2. فضل العمرة في رمضان عام، لقوله صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، وهذا يشمل أي يوم من أيام الشهر الفضيل.
3. الزحام الشديد في هذه الليلة قد يذهب بالخشوع، ويجعل المعتمر مشغولاً بمدافعة الناس وحماية نفسه ومن معه، مما يفقد القلب حضوره مع الله. فإذا كان بالإمكان أداء العمرة في وقت آخر من العشر لضمان السكينة والوقار، فهو أولى.
عاشراً: سؤال الله القبول والحذر من المحبطات
في ختام هذه الرحلة الإيمانية، وبعد بذل الجهد، يظل قلب المؤمن معلقاً بالسؤال الأهم: هل قُبل العمل؟ اسأل ربك دائماً القبول، واخشَ على عملك من المحبطات كالرياء، والسمعة، والإعجاب بالنفس.
تأمل في القصة العظيمة لنبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام؛ فقد قاما بأشرف عمل وأعظمه، وهو بناء بيت الله الحرام (الكعبة)، ومع ذلك، لم يغرهما عظم العمل، بل توجها إلى الله بقلوب خاشعة قائلين: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]. فإذا كان خليل الرحمن يرجو القبول، فكيف بنا ونحن المقصرون؟
خاتمة الرجاء والعمل
إن العشر الأواخر فرصة قد لا تتكرر، وهي مضمار يسبق فيه من سبقت له من الله الحسنى. فاجعلوا منها نقطة تحول في حياتكم، واجعلوا من ليلة القدر بداية لعهد جديد مع الله. تضرعوا، ابكوا، نادوا ربكم في الأسحار، وألحوا في قول: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
حفظكم الله وبارك في أعماركم وأعمالكم، وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً