كرة القدم في غزة: نبض الحياة يعود للملاعب من تحت الأنقاض
وسط مشهد يطغى عليه ركام المباني المهدمة وآثار الحرب القاسية، استعاد ملعب "نادي فلسطين الرياضي" بمدينة غزة بريقه، محتضناً فعاليات الأسبوع الثاني من البطولة التنشيطية لخماسيات كرة القدم. هذه العودة لم تكن مجرد نشاط رياضي عابر، بل كانت إعلاناً عن إرادة لا تنكسر بعد توقف قسري دام عامين.
بقعة ضوء في عتمة الحرب
عقب فترة عصيبة من الإبادة والدمار التي طالت قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، بدت المباريات كبقعة ضوء تعيد الروح للمدينة المنهكة. على أطراف الملاعب القليلة المتبقية، تجمهر عشرات المشجعين من كافة الأجيال، ليرسموا برهبة هتافاتهم وحماسهم لوحة من الأمل كانت غزة تفتقدها طويلاً.
تعد عودة كرة القدم في غزة بارقة أمل لعدة مستويات:
- نفسياً: تشكل متنفساً للسكان بعيداً عن ضغوط الحصار والحروب.
- اقتصادياً: تمثل إحياءً جزئياً لمصدر رزق مئات اللاعبين، المدربين، والعاملين في القطاع الرياضي.
- اجتماعياً: تعيد لم شمل المجتمع الرياضي الذي تشتت بفعل النزوح.
خطة التعافي: 24 نادياً يتحدون الدمار
يشرف الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم على تنظيم هذه البطولة التنشيطية، والتي تقام بظروف استثنائية:
- الملاعب: تُجرى المنافسات على 3 ملاعب صغيرة فقط هي كل ما نجا من آلة التدمير.
- المشاركة: يشارك في البطولة 24 نادياً من الدرجتين الممتازة والأولى.
- الهدف: تنفيذ "خطة تعافٍ" لإعادة النشاط الرياضي تدريجياً رغم التحديات اللوجستية.
وصرح مصطفى صيام، المسؤول الإعلامي بالاتحاد، أن هذه الخطوة هي قرار حاسم بإعادة الحياة للملاعب، مؤكداً أن الشباب الفلسطيني قادر على النهوض من تحت الركام بإمكانيات بسيطة ولكن بإرادة صلبة.
فاتورة ثقيلة: خسائر القطاع الرياضي
لم تمر الحرب دون أن تترك جرحاً غائراً في جسد الرياضة الفلسطينية. ووفقاً لـ أسعد المجدلاوي، نائب رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية، فقد بلغت الخسائر أرقاماً صادمة:
- الشهداء: ارتقاء أكثر من 1007 من منتسبي الحركة الرياضية والكشفية.
- المنشآت: تدمير قرابة 265 إلى 270 منشأة رياضية تشمل ملاعب وصالات ومقار أندية.
- الاستخدام: تحول عدد من الملاعب المتبقية إلى مراكز إيواء للنازحين الذين فقدوا بيوتهم.
رسائل التحدي والوفاء
من قلب الملعب، يحمل اللاعبون قصصاً ملهمة ومؤلمة في آن واحد. يوسف داود، لاعب فريق "غزة الرياضي"، يشارك في البطولة رغم فقده لزوجته وأبنائه في قصف إسرائيلي، مؤكداً أن استمراره في اللعب هو رسالة وفاء لزملائه الذين رحلوا، وتحدٍ للظروف القاسية.
أما المدرب حسن هتهت، فيرى أن استئناف النشاط يعكس مستوى الإرادة لدى الشعب الفلسطيني الذي يسعى لاستعادة الحياة من العدم، داعياً الجهات الدولية والعربية لتوفير دعم حقيقي لإعادة إعمار المنشآت الرياضية.
كرة القدم كفعل مقاومة
في غزة، لا تُصنف كرة القدم كلعبة فحسب، بل هي فعل مقاومة يومي للبقاء. يقطع المشجعون مثل الشاب محمد عويضة كيلومترات سيراً على الأقدام لمشاهدة مباراة، مؤكدين أن أجواء الأمل ستغلب دائماً أجواء الموت التي يحاول الاحتلال فرضها.
تواجه كرة القدم في غزة اليوم تحديات هائلة تتعلق بإعادة الإعمار وتوفير المعدات، لكن دوران الكرة مرة أخرى في الملاعب هو الدليل الأكبر على أن شغف الفلسطينيين بالحياة والرياضة لا يمكن أن توقفه الحرب.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً