بركات السحور: دليل الصائم لاغتنام الأسرار النبوية والنفحات الربانية

# بركات السحور وقول النبي ﷺ: فإن في السحور بركة

إنَّ المتأمل في شريعتنا الغراء يجدها فيضاً من الرحمات، ونبعاً لا ينضب من البركات، وفي شهر رمضان المبارك، تزداد هذه البركات وتتضاعف الأجور، لتشمل كل لحظة من لحظاته الغالية. وإذا كان العلماء قد عرفوا البركة بأنها “الزيادة والنماء”، فإن رمضان هو التجسيد الحي لهذا المعنى؛ بما يحمله من عطاء جليل، ومنح إلهية ينالها العباد في ساعات ليلهم ونهارهم. ومن أسمى تجليات هذه البركة، تلك اللحظات السحرية التي تسبق الفجر، حيث شرع الله لنا عملاً يجمع بين غذاء الروح وغذاء البدن، ألا وهو “السحور”.

مفهوم البركة في وقت السحر

لقد جعلت الشريعة الإسلامية لوقت السحر خصوصية عظيمة، فهو وقت التنزل الإلهي، ووقت الاستغفار والمناجاة. ومن عظيم رحمة الله بعباده أن جعل في هذا الوقت وجبة مباركة، تحث المسلم على الاستيقاظ والتهيؤ، ليس فقط للأكل والشرب، بل لاغتنام نفحات الله في تلك الساعة.

لقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» (رواه البخاري ومسلم). هذا التوجيه النبوي الكريم ليس مجرد إرشاد لتناول الطعام، بل هو دعوة لاغتنام خير عظيم، وتأكيد على أن هذه الوجبة ليست كغيرها من الوجبات؛ فهي محفوفة باليمن والبركة.

المعنى اللغوي والشرعي للسحور

يفرق العلماء بين “السَّحور” بفتح السين و”السُّحور” بضمها. قال العلامة ابن الأثير رحمه الله: “السَّحور بِالْفَتْحِ: اسمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعام والشَّراب، وبالضَّم المصْدرُ والفعلُ نفسُه، وأكثرُ مَا رُويَ بِالْفَتْحِ. وَقِيلَ: الصَّواب بِالضَّمِّ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ: الطَّعَامُ والبركَةُ، وَالْأَجْرُ والثوابُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ”.

وقال العلَّامة الأزهري رحمه الله: “السَّحور: ما يُتسحر به وقت السحَر من طعام أو لبن أو سويق، وُضع اسمًا لما يؤكل في ذلك الوقت، وقد تسحَّر الرجل ذلك الطعام أي: أكله”. إن هذا التنوع في المعنى يشير إلى أن البركة تشمل الطعام ذاته، وتشمل فعل التسحر والامتثال لأمر النبي ﷺ.

أوجه البركة في وجبة السحور

لقد استنبط العلماء، وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر رحمه الله، جهات متعددة تتحقق بها البركة في السحور، وهي دروس إيمانية وتربوية عظيمة:

1. اتباع السنة النبوية: وهي أعظم البركات، فالمؤمن يبتغي في كل حركاته وسكناته الاقتداء بنبيه ﷺ.
2. مخالفة أهل الكتاب: فقد تميزت أمة الإسلام بهذه الأكلة التي حُرم منها أهل الكتاب، وفي التميز عنهم عزة وإيمان.
3. التقوي على العبادة: فالطعام في السحر يمد الجسم بالطاقة اللازمة لأداء الصلاة والذكر والعمل أثناء الصيام.
4. زيادة النشاط: السحور يمنع الخمول والكسل الذي قد يصيب الصائم بسبب الجوع الشديد.
5. مدافعة سوء الخلق: فالجوع قد يثير حدة الطباع، والسحور يهذب النفس ويحفظ للصائم هدوءه وسكينته.
6. التسبب بالصدقة: وقت السحر هو وقت يجتمع فيه الناس، وقد يجد الصائم فرصة لإطعام سائل أو مشاركة الطعام مع محتاج.
7. الاستيقاظ للذكر والدعاء: وهو وقت استجابة الدعوات، فالتسحر يضمن للمسلم أن يكون مستيقظاً في هذا الوقت الشريف.

الاقتداء بالهدي النبوي في تأخير السحور

كان من هدي النبي ﷺ تأخير السحور إلى قبيل الفجر، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قام إِلَى الصَّلَاةِ، فقيل له: كَمْ بَيْنَ الأذان والسُّحور؟ فقَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» (رواه البخاري).

هذا الهدي النبوي يراعي الرفق بالأمة، كما قال العلامة ابن أبي جمرة رحمه الله: “كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلى مَا هُوَ الْأَرْفَقُ بِأُمَّتِهِ فَيَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَسَحَّرْ لَاتَّبَعُوهُ فَيَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَلَوْ تَسَحَّرَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَشَقَّ أَيْضًا عَلَى بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ، فَقَدْ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الصُّبْحِ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُجَاهَدَةِ بِالسَّهَر”.

السحور: الغداء المبارك

من حرص النبي ﷺ على هذه العبادة، أنه كان يدعو أصحابه إليها بعبارات تفيض محبة وترغيباً، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: دعاني رسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم إلى السُّحُورِ في رمضان، فقال: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» (رواه أبو داود والنسائي).

لقد سماه النبي ﷺ غداءً مباركاً؛ لأنه يبارك في الوقت، ويبارك في البدن، ويبارك في العمل. وجاء عن عبد الله بن الحارث أنَّ أحدَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحَّر فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدَعوه» (رواه النسائي).

وحتى لو لم يجد الإنسان ما يأكله، فإن مجرد جرعة ماء تحقق السنة، كما قال ﷺ: «السَّحُورُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ مَاءً» (رواه أحمد).

التميز عن أهل الكتاب

إن من مقاصد الشريعة مخالفة غير المسلمين في العبادات، لتبقى للأمة هويتها المستقلة. وفي السحور تتجلى هذه المخالفة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» (رواه مسلم).

ويوضح الإمام الخطابي رحمه الله هذا المعنى بقوله: “كان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام، ثم نُسخ ورُخِّص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر”؛ استجابة لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (البقرة: 187).

السحور وتقوية العبد على الطاعة

ليس المقصود من الصيام تعذيب النفس أو إلحاق الضرر بالبدن، بل المقصود هو التزكية والتقوى. لذا كان السحور وسيلة لليسر ودفع العسر، فالله سبحانه يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185).

إن تناول هذه الوجبة في وقتها المسنون يحقق النشاط، ويمنع المشقة التي قد تؤدي ببعض الناس إلى ترك الصيام أو التقصير في العبادات الأخرى. وقد كان الصحابة الكرام أحرص الناس على تطبيق ذلك، فكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعجِّل الإفطار ويؤخِّر السُّحور، ويقول: “هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع”.

صلاة الله وملائكته على المتسحرين

لعل من أعجب وأعظم بركات السحور، أن الله سبحانه وتعالى، بملكوته وعظمته، يصلي على من قام يتسحر، وكذلك تفعل الملائكة. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» (رواه أحمد).

تأمل أخي المؤمن، أي فضل هذا؟ وأي شرف تناله وأنت تتناول طعامك؟ إن صلاة الله على العبد رحمة وثناء، وصلاة الملائكة استغفار ودعاء. وهذا يتزامن مع وقت التنزل الإلهي حيث ينادي الرب سبحانه: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟». فكيف يغفل عاقل عن هذا المشهد الروحاني المهيب؟

التمر: سحور المؤمن المثالي

من تمام السنة النبوية أن يتضمن السحور التمر، فقد مدحه النبي ﷺ بقوله: «نِعْمَ سَحُورُ المُؤمِنِ التَّمْرُ» (رواه أبو داود). وللتمر خصائص غذائية فريدة، فهو يمد الجسم بالسكريات الطبيعية والألياف التي تساعده على الصبر على الجوع، مما يجمع للمؤمن بين أجر اتباع السنة وصحة البدن.

خاتمة ونصح

أيها الإخوة المؤمنون، إن رمضان فرصة العمر التي لا تتكرر إلا قليلاً، وبركات السحور هي جزء من منظومة الخير التي أرادها الله لنا في هذا الشهر. فلا تحرموا أنفسكم من هذا الفضل العظيم بسبب النوم أو الكسل. اجعلوا من سحوركم وقتاً للعبادة، والذكر، والاستغفار، وتناول الطعام بنية التقوي على طاعة الله.

إن الذي يفرط في هذه الدقائق الغالية، يفرط في خير كثير، وفي صلاة من الله وملائكته، وفي اتباع لسنة المصطفى ﷺ. فلنكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولنغتنم كل لحظة في هذا الشهر المبارك، عسى أن نكون من عتقاء الله من النار، ومن المقبولين في عباده الصالحين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *