انكسار حلم الجنوب العالمي: هل سقطت بريكس أمام اختبار القوة الخشنة؟
في مطلع مارس، وتحديداً قبالة سواحل سريلانكا، لم تكن الفرقاطة الإيرانية "أيريس دينا" هي الوحيدة التي تغرق بفعل ضربة غواصة أمريكية، بل كانت تغرق معها الكثير من الأوهام حول قدرة الجنوب العالمي على حماية أعضائه. الحادثة التي أسفرت عن عشرات القتلى والمفقودين، كشفت عن فجوة هائلة بين الخطابات السياسية الرنانة والواقع العسكري المرير.
صمت الحلفاء وهشاشة التضامن
رغم العلاقات التاريخية وانضمام إيران مؤخراً لتكتل بريكس (BRICS)، لم يتجاوز رد الفعل الهندي حدود المساعدة الإنسانية والبيانات الدبلوماسية الباهتة. وقف وزير الخارجية الهندي أمام البرلمان واصفاً الحادث بـ "المؤسف"، متجنباً الإشارة إلى الفاعل. هذا الصمت لم يكن حكراً على دلهي، بل انسحب على معظم دول التكتل، باستثناء إدانات خجولة من الصين وروسيا والبرازيل.
أثارت هذه الواقعة تساؤلات جوهرية حول جدوى تكتلات الجنوب الصاعدة:
- هل تستطيع هذه التحالفات موازنة نفوذ واشنطن؟
- لماذا تعجز القوى النامية عن حماية شركائها في لحظات الصراع العسكري؟
- هل نحن أمام تكتلات اقتصادية تفتقر للأسنان العسكرية؟
من باندونغ إلى بريكس: أحلام لم تكتمل
تعود جذور فكرة "الجنوب العالمي" إلى مؤتمر باندونغ عام 1955، حيث طمحت الدول الأفرو-آسيوية لبناء كتلة ثالثة موازنة للشرق والغرب. نشأت حركة عدم الانحياز ومجموعة الـ 77، لكن هذه الأحلام اصطدمت دوماً بالواقع.
تكررت الهزائم والانكسارات، من النزاع الصيني الهندي عام 1962 إلى هزيمة 1967، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي يواجه فيها أعضاء بريكس مثل إيران وفنزويلا ضغوطاً أمريكية مباشرة دون "مظلة حماية" حقيقية من حلفائهم الصاعدين.
نظرية انتقال القوة: لماذا يفشل الجنوب في الحسم؟
يفسر الخبراء هذا العجز من خلال نظرية "انتقال القوة"، حيث يمر النظام الدولي بمرحلة اهتزاز عندما تقترب القوى الصاعدة من القوة المهيمنة. ومع ذلك، يواجه الجنوب العالمي عوائق تمنعه من فرض واقع جديد:
- غياب التجانس: يضم الجنوب ديمقراطيات وأنظمة سلطوية، واقتصادات صناعية وأخرى ريعية.
- الاعتماد المتبادل غير المتكافئ: لا تزال معظم هذه الدول مرتبطة بالأسواق والتقنيات الغربية.
- الهيمنة المالية: يظل الدولار وسيلة الضغط الأقوى التي تخشاها العواصم الصاعدة.
- التفوق العسكري: تمتلك واشنطن شبكة قواعد وتحالفات عسكرية (مثل الناتو) لا يملك الجنوب بديلاً موازياً لها.
مستقبل بريكس: بين المؤسسية والرمزية
رغم محاولات فك الارتباط بالدولار وإنشاء "البنك الجديد للتنمية"، تظل مجموعة بريكس أقرب إلى "منتدى تنسيق مصالح" منها إلى تحالف استراتيجي صلب. التوسعة الأخيرة للتكتل ضمت منتجي طاقة كبار، لكنها أيضاً زادت من تباين المصالح الداخلية.
مسارات الخروج من التبعية
لكي يتحول الجنوب العالمي إلى قطب فاعل، يحتاج إلى العمل على ثلاثة مسارات:
- المسار المؤسسي: تحويل القمم إلى آليات تنفيذية وصناديق تأمين ضد المخاطر السياسية.
- الاستقلال الاستراتيجي: توطين التكنولوجيا وتعزيز القدرات السيبرانية والدفاعية الذاتية.
- الإصلاح من الداخل: الضغط الجماعي لتغيير قواعد المؤسسات الدولية القائمة (الأمم المتحدة، صندوق النقد).
خاتمة:
يبقى الجنوب العالمي اليوم يمتلك الكتلة المادية والموارد، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة لفرض خطوط حمراء. إن لحظة الحسم في الأزمات الكبرى لا تزال، حتى الآن، تُكتب بلغة القوة التي تتقنها العواصم الغربية، بينما يكتفي الجنوب بدور "المراقب الغاضب" في انتظار نضوج بدائله المؤسسية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً