# تأخير السحور: سُنّة نبوية مهجورة وكنز من البركات
الحمد لله الذي جعل لنا في تشريعاته يُسراً، وفي سنن نبيه صلى الله عليه وسلم نوراً وهدى، والصلاة والسلام على المعلم الأول، الذي ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، وبعد:
إن شهر رمضان المبارك هو مدرسة المتقين، ومحط رحال الطائعين، وفيه من الآداب والسنن ما لو تمسك به العبد لنال خيري الدنيا والآخرة. ومن أعظم هذه الآداب التي غفل عنها الكثيرون، أو لم يدركوا عمق أسرارها، سُنّة “تأخير السحور”. هذه الوجبة المباركة التي ليست مجرد طعام يملأ البطن، بل هي عبادة وقربة، وطاعة واستجابة لأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الحكمة من مشروعية تأخير السحور
يُعد تأخير السحور أعون شيء للصائم على إتمام صومه بقوة ونشاط، وهو أرفق بالبدن وأبعد عن المشقة. إن الشريعة الإسلامية لم تأتِ بالتعنيت، بل جاءت باليسر، وتأخير السحور هو تجسيد لهذا اليسر؛ فهو يقلل من فترة الجوع والعطش، ويمنح الصائم طاقة تمتد معه طوال نهار الصيام.
وعلاوة على ذلك، فإن في تأخيره فرصة ذهبية لاغتنام وقت السحر، ذلك الوقت الذي تغفل عنه العيون، وتتنزل فيه الرحمات. كما أن في تأخير السحور ضمانة للسلامة من النوم عن صلاة الفجر، تلك الفريضة العظيمة التي هي مقياس الإيمان وعنوان الصدق مع الله.
الأدلة النبوية على استحباب تأخير السحور
لقد تضافرت الأدلة من السنة النبوية المطهرة على فضل هذه السنة، ومن ذلك ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلُوا الفطرَ»، وزاد الإمام أحمد في روايته: «وأخَّرُوا السُّحُورَ».
تأمل معي أخي الصائم قوله صلى الله عليه وسلم “لا يزال الناس بخير”، فجعل الخيرية مرتبطة بهاتين السنتين: تعجيل الفطر وتأخير السحور. فكأنما قوام استقامة أحوال الأمة، والحفاظ على هويتها ومنهجها الوسطي، يكمن في اتباع هذه التفاصيل النبوية الدقيقة.
وعن أنس عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قدر خَمْسِينَ آيَةً» (رواه البخاري ومسلم).
هذا الحديث العظيم يرسم لنا لوحة دقيقة للتوقيت النبوي؛ فالفصل بين السحور والصلاة لم يكن طويلاً، بل كان بقدر قراءة خمسين آية بتؤدة وترتيل. وهذا يدل دلالة صريحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر سحوره إلى قبيل الفجر بوقت يسير.
وقفات مع شراح الحديث وأسرار التوقيت
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه الفذ “فتح الباري” معلقاً على حديث زيد بن ثابت: “قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال؛ كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت رضي الله عنه عن ذلك إلى التقدير بالقراءة، إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة”.
انظر إلى هذا الرقي الإيماني، حيث أصبح الوقت يُقاس بآيات الله لا بشؤون الدنيا، مما يوحي بأن الصائم في ذلك الوقت يجب أن يكون قلبه معلقاً بالوحي والذكر.
ويضيف ابن أبي جمرة في شرحه لأبعاد هذا الفعل النبوي: “كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتَّبعوه فيشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشقَّ أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر”.
إنها الرحمة النبوية التي تتجلى في كل تشريع، فهو يراعي الضعيف والقوي، وينظم وقت الأمة بما يضمن لها القيام بالفرائض (كصلاة الفجر) دون تفريط، والقيام بالسنن (كالسحور) دون إفراط.
كما ذكر ابن أبي جمرة فائدة طبية وإيمانية بقوله: “فيه أيضًا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشق على بعضهم، ولا سيما من كان صفراويًّا، فقد يغشى عليه، فيفضي إلى الإفطار في رمضان”.
دروس اجتماعية وتربوية من مائدة السحور النبوية
لم يكن السحور مجرد وجبة فردية، بل كان لقاءً إيمانياً واجتماعياً. يقول ابن حجر رحمه الله: “وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه الاجتماع على السحور، وفيه حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما يشعر لفظ المعية بالتبعية”.
ما أجمل هذا الأدب! إن السحور فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، واجتماع العائلة على مائدة واحدة في وقت مبارك، يُذكر فيه اسم الله، وتُبث فيه روح الطاعة في نفوس الأبناء والشباب.
ومن الآثار الدالة على شدة تأخيرهم للسحور، ما أخرجه النسائي عن زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ قَالَ: «تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا هُنَيْهَةٌ» (صححه الألباني).
وهذا يؤكد أن السنة هي المتاخمة للفجر، ليكون السحور طاقة متجددة مع بداية يوم الصوم.
التمييز بين الأذان الأول والأذان الثاني
من الضروري للصائم أن يفقه الفرق بين الأذانين لكي لا يقع في الحرج. فقد أخرج البخاري من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ أذَانُ بلَالٍ مِن سَحُورِهِ، فإنَّه يُؤَذِّنُ – أوْ- يُنَادِي بلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، ولِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ…».
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنس، إني أريد الصيام، أطعمني شيئًا»، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعدما أذن بلال؛ أي بعد الأذان الأول.
هذه النصوص توضح أن الأذان الأول هو تنبيه للاستعداد، وليس إيذاناً بالإمساك، مما يفسح المجال للمتأخر أن يدرك بركة السحور ولو بلقيمات أو جرعة ماء.
السحور من أخلاق النبوة
إن تأخير السحور ليس مجرد اختيار شخصي، بل هو انتماء لمدرسة الأنبياء. فقد أخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثٌ من أخلاقِ النُّبوةِ: تَعجيلُ الإفطارِ، وتأخيرُ السُّحورَ، ووضْعُ اليمينِ على الشِّمالِ في الصلاةِ».
فتأمل يا رعاك الله، كيف قُرن تأخير السحور بوضع اليمين على الشمال في الصلاة، ليُعلم أن كلاهما من هدي المرسلين، وأن في كليهما سر الصلاح والفلاح.
بركات وقت السحر: لماذا نؤخر السحور؟
تأخير السحور يجعل الإنسان يتعرض للنفحات الربانية في وقت السحر، وهو وقت مبارك من جهات متعددة:
1. وقت النزول الإلهي: فهو وقت يتجلى فيه الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَنْزِلُ رَبُّنا – تَبارَكَ وتَعالَى – كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟».
2. أفضل أوقات الاستغفار: لقد أثنى الله عز وجل على عباده المداومين على الاستغفار في هذا الوقت، فقال تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17].
3. إدراك صلاة الفجر: إن أكبر عائق عن صلاة الفجر هو النوم العميق الذي يسبقها. أما من يؤخر سحوره، فهو مستيقظ بالضرورة، مما يجعله أقرب الناس حفاظاً على هذه الصلاة المشهودة.
السحور وصلاة الفجر: الارتباط الوثيق
قال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78].
قال المفسرون: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} أي صلاة الفجر، وسميت قرآناً لمشروعية إطالة القراءة فيها، ولفضل القراءة فيها حيث تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله كما في صحيح مسلم.
بتأخيرك للسحور، تضمن إجابة المؤذن ومتابعته، وتنال أجر انتظار الصلاة، وتدخل في زمرة الذين تشهدهم الملائكة.
لماذا سماه الصحابة “الفلاح”؟
كان لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ارتباط عجيب بهذه الوجبة، حتى سموها “الفلاح”. أخرج الإمام أحمد والنسائي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: «…. ثم قمنا معه – أي النبي صلى الله عليه وسلم – ليلة سبع وعشرين، حتى ظننا أنا لا ندرك الفلاح، وكنا ندعو السحور الفلاح».
وعن أبي ذر رضي الله عنه في حديث قيام رمضان قال: «… فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور».
إن تسميته بالفلاح تدل على أنه سبب للنجاح في الصوم، والنجاح في نيل الأجر، والظفر برضا الله عز وجل. فما أسعدك يا عبد الله حين تستجيب لأمر الله، وتتبع سنة نبيه، فتأكل أكلة مباركة في وقت مبارك، لتنال بها سعادة الدارين.
ختاماً، اجعل من سحورك عبادة، واستشعر نية الاتباع، ولا تحرم نفسك من بركة الاستغفار والدعاء في تلك اللحظات الغالية، فربَّ دعوة في وقت سحرٍ صادقة، تغير مجرى حياتك وتكتب لك العتق من النيران.


اترك تعليقاً