# اغتنموا العشر الأواخر: تاج الزمان وفرصة العمر الذهبية
الحمد لله الذي جعل في تعاقب الأيام مواسم للطاعات، وفي مرور الساعات محطات للتزود من الباقيات الصالحات، والصلاة والسلام على من كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
تمر الأيام سراعاً، ويمضي قطار الشهر الفضيل نحو محطته الأخيرة، وبينما يودعنا رمضان، يفتح الله لنا أبواباً من الرحمة لم تفتح من قبل، ويضع بين أيدينا كنوزاً لا تقدر بثمن، إنها العشر الأواخر من رمضان؛ تلك الليالي التي هي بمثابة التاج على رأس الزمان، والمضمار الذي يتسابق فيه المخلصون لنيل رضا الرحمن.
أولاً: فضل العشر الأواخر.. زمان الشرف والبركة
إن الليالي العشر الأواخر من رمضان هي أفضل ليالي العام على الإطلاق، فهي الليالي التي يقترن فيها فضل العبادة بفضل الزمان. فيها يفيض الله على عباده بالعطاء الجزيل، والأجر الوافر الجليل، وهي فرصة سنوية لإقالة العثرات، واستجابة الدعوات، وعتق الرقاب الموبقات من النيران.
لقد جعل الله هذه الليالي وعاءً لأعظم حدث في تاريخ البشرية، وهو نزول القرآن الكريم. ففي رحاب هذه العشر، انطلق شعاع النور الإلهي ليضيء ظلمات الأرض، وارتبطت السماء بالأرض في لحظة تاريخية مهيبة، حين نزل الوحي بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}. هذا الارتباط الوثيق بين العشر الأواخر والقرآن يجعل منها ليالي قرآنية بامتياز، حيث قال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.
وإذا كان شهر رمضان هو سيد الشهور وخيرها، فإن العشر الأواخر هي زبدة هذا الشهر وخلاصته، بل هي فضل الفضل وخير الخير. وقد تقرر بالاستقراء عند أهل العلم أن الأوقات الفاضلة والأزمان المباركة غالباً ما تكون خواتيمها خير من أوائلها، تماماً كما هو الحال في يوم الجمعة (ساعة الإجابة في آخره)، وفي الليل (ثلثه الأخير هو الأفضل)، وكذلك رمضان، فإن عشره الأواخر هي ذروة السنام فيه.
ثانياً: حال النبي ﷺ في العشر.. قدوة للمجتهدين
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهذه الليالي مرور الكرام، بل كان له معها حال يختلف تماماً عن بقية أيام السنة. لقد خصها بأعمال جليلة تعكس إدراكه العميق لقدرها، ومن أبرز معالم هديه ﷺ في هذه العشر:
1. كثرة الاجتهاد ومضاعفة العمل
كان النبي ﷺ يبذل قصارى جهده في العبادة خلال هذه العشر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم. وهذا الاجتهاد لم يكن مجرد زيادة يسيرة، بل كان استنفاراً كاملاً للقوى الإيمانية.
وتصف السيدة عائشة هذا الحال بدقة أكبر فتقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.
- إحياء الليل: أي استغراقه بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، فلا يضيع منه لحظة في غير طاعة.
- إيقاظ الأهل: وهذا درس عظيم في المسؤولية الأسرية، فقد كان ﷺ يحرص على أن يذوق أهل بيته حلاوة هذه النفحات، قال ابن رجب: “ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه”.
- شد المئزر: وهو كناية نبوية بليغة عن اعتزال النساء والتفرغ التام للعبادة، والجد في الطلب.
2. سنة الاعتكاف.. خلوة مع الخالق
من أعظم سنن العشر الأواخر “الاعتكاف”، وهو لزوم المسجد بنية التقرب إلى الله. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده).
والاعتكاف في حقيقته هو عزوف عن الدنيا، وانقطاع مؤقت عن الشواغل، وتخلية للنفس من كدورات التفاعل مع الخلق للتحلي بالخلوة مع الحق. لذا، لا ينبغي للمعتكف أن يحول معتكفه إلى مكان للسمر والزيارات التي تفسد عليه مقصده، بل عليه أن يتقلل من الطعام والشراب والمنام ليقوى قلبه على الطاعة.
لقد كان النبي ﷺ يواصل الصيام أحياناً ليوفر وقته للعبادة، ولما سأله الصحابة عن ذلك قال: “وأيكم مثلي! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني” (متفق عليه). والمقصود هنا هو الغذاء الروحي والفتوحات الربانية التي تغني الروح عن طعام الجسد، مما يعين على مزيد من الاجتهاد.
ثالثاً: تحري ليلة القدر.. الليلة التي تساوي عمراً
إن المقصد الأسمى من كل هذا الاجتهاد والاعتكاف هو إدراك “ليلة القدر”. تلك الليلة الشريفة التي وصفها الله عز وجل بأنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر: 3). أي أن العمل فيها يوازي عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
خصائص ليلة القدر:
1. ليلة التقدير: فيها تُكتب مقادير الخلائق للعام القادم، فيُفصل فيها من يموت ومن يولد، ومن يعز ومن يذل، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان: 4).
2. ليلة الإجابة: فيها تُفتح الأبواب، ويسمع الله النداء، ويتحقق الرجاء لمن صدق في التوجه.
3. ليلة السلام: هي ليلة سلام نفسي ومجتمعي، تنزل فيها الملائكة بالسكينة والأمان {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
وقد أخفى الله عز وجل موعدها المحدد ليجتهد العباد في طلبها طوال العشر، فيتميز الصادق الحريص من العاجز المفرط. ومع ذلك، فقد أرشدنا النبي ﷺ إلى تحريها في الأوتار من العشر الأواخر، وهي في السبع الأواخر آكد، وفي ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، لقوله ﷺ: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) رواه أبو داود.
رابعاً: العبرة بالخواتيم.. نداء للمقصرين
يا من فاته أول الشهر، ويا من فرط في الأيام الخوالي، لا تزال الفرصة أمامك قائمة. إن العبد الموفق هو من أدرك أن حسن النهاية يطمس تقصير البداية. إنما الأعمال بالخواتيم، ولعل بركة عملك في رمضان كله مخبأة في هذه الليالي العشر.
ليست العبرة بطول الأعمار، بل بحسن الأعمال وصدق التوجه. فلحظة صدق واحدة في ليلة القدر قد تغير مجرى حياتك إلى الأبد. فاستدرك ما فاتك، وأحسن فيما بقي، فمن أحسن فيما بقي غفر له ما قد مضى.
خامساً: وصايا عملية لاغتنام العشر
لكي تخرج من هذه العشر وقد نلت جائزتها الكبرى، عليك بالآتي:
1. تجديد التوبة: ابدأ هذه الليالي بتوبة نصوح، وعزم على ترك الذنوب.
2. الدعاء المأثور: أكثر من الدعاء الذي علمه النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها حين سألته عما تقول في ليلة القدر، فقال لها: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).
3. تجنب الملهيات: قلل من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمجالس التي لا نفع فيها، واجعل وقتك حكراً على الله.
4. الصدقة: اجعل لك نصيباً من الصدقة في كل ليلة من الليالي العشر، لتضمن وقوعها في ليلة القدر.
5. الإخلاص: تذكر أن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فاجعل عملك كله خالصاً لوجهه الكريم.
ختاماً، إن هذه الأيام تمر كلمح البصر، والسعيد من اغتنمها، والشقي من حُرم خيرها. فتعرضوا لنفحات ربكم، وأروا الله من أنفسكم خيراً، عسى أن تصيبكم نفحة لا تشقون بعدها أبداً. اللهم بلغنا ليلة القدر، واجعلنا فيها من المقبولين، ومن عتقائك من النار، ومن الذين غفرت لهم ما تقدم من ذنبهم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً