انكسار جدار العقوبات: لماذا فضّلت واشنطن "براميل موسكو" على اشتعال الأسعار؟
في تحول دراماتيكي يعكس صراع الإرادات بين السياسة واقتصاديات الطاقة، كشفت الرخصة الأمريكية الأخيرة الخاصة بـ العقوبات الأمريكية على النفط الروسي عن فجوة عميقة في استراتيجية الحصار الغربي. فبينما كانت واشنطن تسعى لخنق آلة الحرب الروسية، أجبرتها رياح الأزمات في الشرق الأوسط على فتح ممر اضطراري للنفط الروسي.
الضرورات تبيح المحظورات: ممر واشنطن المؤقت
لم يكن قرار وزارة الخزانة الأمريكية بمراجعة القيود نابعاً من تغيير في الموقف السياسي، بل كان استجابة مباشرة لضغوط السوق. وتوضح الوثائق الرسمية الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ما يلي:
- الترخيص العام رقم 134: يسمح بمعاملات بيع وتسليم النفط الروسي المحمل قبل 12 مارس 2026.
- المهلة الزمنية: تمتد فترة السماح حتى 11 أبريل 2026 لتفريغ الشحنات.
- الهدف التكتيكي: منع تجميد الإمدادات الحالية لضمان عدم حدوث فجوة مفاجئة في المعروض العالمي.
شبح "مضيق هرمز" يطارد البيت الأبيض
جاء هذا التراجع الأمريكي في وقت حساس للغاية، حيث يواجه العالم مخاطر حقيقية في طرق الإمداد الرئيسية. وتظهر البيانات أن الاعتماد على النفط الروسي أصبح صمام أمان لا غنى عنه:
- أزمة المضيق: يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، وأي تعطل هناك يعني كارثة سعرية.
- عجز البدائل: خطوط الأنابيب البديلة لا تغطي سوى 25% من حجم التدفقات التي قد يفقدها السوق في حال اشتعال الصراع في الخليج.
- توقعات الأسعار: حذر بنك "باركليز" من وصول سعر خام برنت إلى 100 دولار، وهو ما حدث بالفعل بتجاوزه حاجز 103 دولارات رغم محاولات التهدئة الأمريكية.
صمود النفط الروسي: إعادة توجيه لا إقصاء
رغم مرور سنوات على محاولات عزل موسكو، أثبتت الأرقام أن السوق العالمية لا تزال تدور في فلك الخام الروسي. فبدلاً من الاختفاء، أعاد النفط الروسي تشكيل خريطته:
- التحول نحو آسيا: استحوذت آسيا وأوقيانوسيا على 63% من الصادرات الروسية في 2024.
- شهية الصين: سجلت الواردات الصينية مستويات قياسية بلغت 2.07 مليون برميل يومياً.
- مرونة الإنتاج: حافظت روسيا على معدلات إنتاج تقارب 9.2 ملايين برميل يومياً، مما جعلها رقماً صعباً في معادلة التوازن العالمي.
التضخم.. العدو الداخلي الذي يخشاه بايدن
تدرك الإدارة الأمريكية أن التشدد الكامل في العقوبات الأمريكية على النفط الروسي قد يؤدي إلى انتحار اقتصادي داخلي. وتشير تقارير "غولدمان ساكس" إلى أن وصول النفط لـ 100 دولار يضيف 0.7 نقطة مئوية للتضخم العالمي، مما يهدد استقرار السياسة النقدية الأمريكية ويمنع خفض أسعار الفائدة.
ردود الفعل الدولية: انقسام في المعسكر الغربي
لم يمر القرار الأمريكي دون إثارة حفيظة الحلفاء، حيث تباينت المواقف بشكل حاد:
- لندن وبرلين: أعربت بريطانيا وألمانيا عن امتعاضهما، معتبرين أن أي تخفيف هو رسالة خاطئة لموسكو.
- كييف: وصف الرئيس زيلينسكي الخطوة بأنها تمنح روسيا إيرادات إضافية تقدر بـ 10 مليارات دولار.
- موسكو: قرأت الكرملين القرار كاعتراف بـ "المصلحة المشتركة" في استقرار الأسواق، مما يعزز موقفها التفاوضي.
الخلاصة
كشفت هذه الأزمة أن القوة السياسية للولايات المتحدة، مهما بلغت سطوتها، تظل مقيدة بقوانين العرض والطلب. إن لجوء واشنطن لتعطيل أثر العقوبات الأمريكية على النفط الروسي مؤقتاً هو اعتراف صريح بأن "أمن الطاقة" يتقدم أحياناً على "الأهداف الجيوسياسية"، وأن السوق العالمي أقوى من قرارات البيت الأبيض.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً