مقدمة: البيتُ المسلمُ بَيْنَ مِعْمَارِ المَودَّةِ وَتحدياتِ العصر
في ظِلِّ المتغيراتِ المتسارعةِ التي تَعْصِفُ بالبناءِ الأسريِّ المعاصرِ، يَبْرُزُ مفهومُ “سْتْرُكْتُورَالِيَّةِ التَّنَاصُفِ الـحُقُوقِي” كضرورةٍ معرفيةٍ وشرعيةٍ لإعادةِ قراءةِ العَلاقةِ بَيْنَ الزوجين. إنَّ هذهِ البِنيةَ ليست مجردَ تقسيمٍ حِسَابيٍّ للمهامِ، بل هي هندسةٌ ربانيةٌ تقومُ على مِيكانيكا الضَّبْطِ الـشَّرْعِيِّ التي تَحْمِي الكِيانَ الأُسريَّ من التَّفككِ، وتُحَوِّلُهُ من ساحةٍ لـ “الـمُغالبةِ” وفرضِ السيطرةِ إلى مِحرابٍ لـ “التَّكاملِ” وبناءِ الأُلفةِ. إنَّ الإسلامَ حينَ شَرَعَ الحقوقَ والواجباتِ، لم ينظرْ إليها كقيودٍ، بل كدَعاماتٍ رصينةٍ تُرممُ مِعمارَ الأُلفةِ كلما تصدَّعَ بفعلِ الأنانيةِ أو الجهلِ بمقاصدِ الشريعةِ.
أولاً: فَلْسَفَةُ القِسْطِ الأُسَرِيِّ وَتفكيكُ مَنْطِقِ الـمُغَالَبَةِ
إنَّ الأصلَ في العلاقةِ الزوجيةِ هو السَّكَنُ، كما في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً). ومع ذلك، قد تَنْحَرِفُ هذهِ العلاقةُ حينَ يطغى منطقُ “الـمُغالبةِ”؛ حيثُ يسعى كلُّ طرفٍ لانتزاعِ أكبرِ قَدْرٍ من المكاسبِ والسيطرةِ. وهنا يأتي دورُ التَّنَاصُفِ الـحُقُوقِي الذي يفككُ هذا المنطقَ الصراعيَّ.
التناصفُ في المنظورِ الإسلاميِّ لا يَعني التماثُلَ الحرفيَّ في كلِّ شيءٍ، بل يعني التوازنَ العادلَ الذي يَحفظُ لكلِّ طرفٍ كرامتَهُ ودورَهُ الفطريَّ. يقول الله عز وجل: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). هذه الآيةُ هي قاعدةُ الارتكازِ في ميكانيكا الضبطِ الشرعيِّ؛ فهي تقررُ أنَّ الحقوقَ متقابلةٌ، وأنَّ الواجباتِ متبادلةٌ، وأنَّ معيارَ التقييمِ هو “المعروفُ”؛ وهو سياقٌ اجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ يراعي الفِطرةَ والإمكاناتِ.
- تفكيكُ الاستعلاءِ: الشريعةُ تُلغي فكرةَ السيدِ والعبدِ داخلَ المنزلِ، وتستبدلُها بفكرةِ الـقِوامةِ التي هي رعايةٌ ومسؤوليةٌ وليست تشريفاً أو استبداداً.
- إرساءُ العدالةِ: القِسطُ الأسريُّ يقتضي أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه دونَ بَخْسٍ، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا” (رواه البخاري).
ثانياً: مِيكانيكا الضَّبْطِ الـشَّرْعِيِّ.. كَيْفَ تُحْمَى الـحُقُوقُ؟
تعملُ ميكانيكا الضبطِ الشرعيِّ من خلالِ منظومةٍ دقيقةٍ من التشريعاتِ التي تهدفُ إلى منعِ الجَوْرِ. هذهِ الميكانيكا تَعْتَمِدُ على ثلاثةِ محاورَ أساسيةٍ:
1. محورُ الحقوقِ الماديةِ والمعنويةِ: أوجبَ الإسلامُ على الزوجِ النفقةَ والرعايةَ، وأوجبَ على الزوجةِ حفظَ البيتِ والأمانةِ، لكنَّهُ جَعَلَ رُوحَ هذهِ الواجباتِ هي الإحسانُ. (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
2. محورُ الـمُشَاوَرَةِ: إنَّ القرارَ داخلَ المؤسسةِ الزوجيةِ ليس قراراً أحادياً، بل هو قرارٌ تشاوريٌّ في جوهرهِ. حتى في أخصِّ المسائلِ كالفِطامِ، يقولُ الله تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا). إذا كانَ هذا في الفِطامِ، فكيفَ بما هو أعظمُ من شؤونِ الحياةِ؟
3. محورُ التَّغَافُلِ وَالصَّفْحِ: الضبطُ الشرعيُّ لا يَعني الوقوفَ على مَحطِّ الزللِ، بل يَتضمنُ ميكانيكا “التجاوزِ” لضمانِ استمرارِ السفينةِ. يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ” (رواه مسلم). هذا التوازنُ النفسيُّ هو جوهرُ التناصفِ الحقوقيِّ.
ثالثاً: تَرْمِيمُ مِعْمَارِ الأُلْفَةِ بَعْدَ التَّصَدُّعِ
يحدثُ التصدعُ في مِعمارِ الألفةِ حينَ يطغى الـ “أنا” على الـ “نحنُ”. وترميمُ هذا المعمارِ يَتطلبُ العودةَ إلى مفهومِ الخَيْرِيَّةِ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي” (رواه الترمذي). إنَّ هذهِ الخيريةَ هي مِلاطُ البناءِ الذي يَسُدُّ ثُقوبَ الخلافاتِ.
ترميمُ الألفةِ يَقومُ على خُطواتٍ عمليةٍ مُستمدةٍ من الوحي:
- الاعترافُ بالفضلِ: لقوله تعالى: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ). إنَّ استحضارَ اللحظاتِ الجميلةِ والمواقفِ النبيلةِ يُفتتُ كُتَلَ الجليدِ الناتجةِ عن النزاعِ.
- التَّطَيُّبُ بالقولِ: الكلمةُ الطيبةُ صَدقةٌ، وهي في حقِّ الشريكِ أوجبُ. (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
- الدَّعمُ الروحيُّ المشتركُ: الاجتماعُ على طاعةٍ، كصلاةِ ركعتينِ أو قراءةِ وِردٍ، يمنحُ البيتَ مِعماراً نورانياً يَصْعُبُ اختراقُه من قِبَلِ نزغاتِ الشيطانِ.
رابعاً: نَحْوُ نَمُوذَجٍ أُسَرِيٍّ رِسَالِيٍّ
إنَّ الهدفَ النهائيَّ من سْتْرُكْتُورَالِيَّةِ التَّنَاصُفِ الـحُقُوقِي ليسَ مجردَ العيشِ بلا مَشاكلَ، بل هو إقامةُ بيتٍ رِساليٍّ يُساهمُ في بناءِ الأمةِ. البيتُ الذي يسودُ فيهِ القسطُ الأسريُّ هو المَحْضَنُ الذي يُخَرِّجُ أجيالاً متزنةً نفسياً وعقلياً. عندما يرى الأبناءُ والديهم يُمارسونَ التناصفَ الحقوقيَّ بعيداً عن صراعاتِ القوةِ، فإنهم يَتشرَّبُونَ قيمَ العدلِ والرحمةِ تلقائياً.
إنَّ تفكيكَ منطقِ المغالبةِ يَعني أنَّ “الانتصارَ” الحقيقيَّ ليسَ في إثباتِ خطأِ الآخرِ، بل في الحفاظِ على كِيانِ الأُسرةِ متماسكاً. إنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ بمرونتها وقواعدها الذهبيةِ قد وَضعتْ لنا خارطةَ طريقٍ واضحةً: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). الإحسانُ هو القِمةُ التي تَتجاوزُ مجردَ الحقوقِ القانونيةِ الجامدةِ إلى آفاقِ الروحانيةِ الساميةِ.
خاتمة: الاستثمارُ في المودَّةِ
في الختامِ، إنَّ التَّنَاصُفَ الـحُقُوقِيَّ ليسَ عبئاً تُلقيهِ الشريعةُ على كاهلِ الزوجينِ، بل هو طَوْقُ نجاةٍ. إنَّ الالتزامَ بميكانيكا الضبطِ الشرعيِّ والقِسطِ الأسريِّ يُحيلُ البيوتَ إلى جِناتٍ مُعجلةٍ قبلَ جنةِ الآخرةِ. فليتقِ اللهَ كلُّ زوجٍ في زوجتهِ، ولتتقِ اللهَ كلُّ زوجةٍ في زوجها، وليكنْ شِعارُهما: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).
اللهمَّ أصلِحْ بيوتَ المسلمينَ، واجعلها قِياماً على القِسطِ، وعامرةً بالمودةِ والرحمةِ، وجنِّبنا شقاقَ النفسِ ومغالبةَ الهوى.


اترك تعليقاً