ماذا لو نطق رمضان؟ وصايا غالية للاستقامة بعد الشهر الكريم

مقدمة: رحيل الحبيب ونداء القلوب المشتاقة

مضى رمضان وانقضى، ارتحل الشهر المبارك بأيامه العطرة ولياليه المنيرة، وترك في قلوب المؤمنين وحشة لا يواسيها إلا أمل اللقاء، وأثرًا لا يمحوه إلا الاستقامة على نهجه. لو نطق رمضان قبل رحيله لقال لنا كلمات بليغة، ووصايا جامعة، تضيء لنا الدرب في عتمة الغفلة، وتذكرنا بحقيقة الوجود. إن انقضاء رمضان ليس مجرد نهاية لموسم عبادة، بل هو تذكير صارخ بأن الدنيا كلها ساعة، فاجعلها طاعة.

إن العبد اللبيب هو من يدرك أن رب رمضان هو رب سائر الشهور، وأن العبادة التي كانت ديدنه في الصيام والقيام، يجب أن تظل نبراسًا له في بقية عامه. لقد مضى رمضان ليختبر صدقنا، وليفرز العباد بين من كان يعبد الشهر، ومن كان يعبد رب الشهر الحي الذي لا يموت.

أولاً: حقيقة الدنيا وانقضاء الأعمار

لو نطق رمضان لقال: يا ابن آدم! انقضى عام من عمرك، ويوشك عمرك كله أن ينقضي، فأنت لا تدري هل تعيش حتى يأتي عليك رمضان آخر أم لا. إن هذه الحقيقة التي غفلنا عنها أو تغافلناها، هي المحرك الأول للعمل الصالح. كل حبيب لابد أن يفارق حبيبه، وكل صديق لابد أن يفارق صديقه، وهذه سنة الله في خلقه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26-27].

إن الموت لا يستأذن أحدًا، وهو الحقيقة التي تغافل عنها الغافلون، وشُغل عن الاتعاظ بها معظم الخلق إلا من رحم الله. قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30]، وقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8]. ولذلك كان التوجيه النبوي حازمًا في اغتنام الفرص قبل فواتها، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك».

ثانياً: الصيام مدرسة لا تغلق أبوابها

لو نطق رمضان لقال: يا من أحسست بلذة الصيام وحلاوته، لا تظن أن الصيام قد انتهى برحيل هلالي. إن الصيام مدرسة للروح، وتطهير للبدن، وتقوية للإرادة، وهو مشروع مستمر طوال العام. ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يومًا في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقًا، كما بين السماء والأرض»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه من جهنم سبعين عامًا».

إن للمؤمن في نوافل الصيام غنيمة باردة، ومن هذه الأيام المباركة التي يُستحب صيامها:
1. الست من شوال: وهي التي تجعل صيام العام كله كأنه صيام دهر.
2. يوم عرفة: لغير الحاج، ويكفر سنتين.
3. عاشوراء وتاسوعاء: لمخالفة أهل الكتاب وشكر الله على نجاة موسى.
4. الأيام البيض: (13، 14، 15) من كل شهر هجري.
5. الاثنين والخميس: حيث تُعرض الأعمال على الله.
6. شهر الله المحرم وشهر شعبان: لما لهما من فضل عظيم.
7. عشر ذي الحجة: وهي أفضل أيام الدنيا.

ثالثاً: قيام الليل.. أنس المحبين في كل حين

لو نطق رمضان لقال: يا من شعرتم بلذة القيام وحلاوة المناجاة في جوف الليل، ليس القيام خاصًّا بالتراويح أو التهجد في رمضان. إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير، ينادي: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلًا قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحِم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء».

وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لَما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذابٍ، فكان أول شيء تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».

رابعاً: القرآن الكريم.. ربيع القلوب الدائم

لو نطق رمضان لقال: يا من عكفتم على المصاحف، وشعرتم بحلاوة الآيات، لا تهجروا القرآن بعد رحيلي. إن القرآن هو حبل الله المتين، ونوره المبين، وهو ربيع قلب المؤمن في كل زمان ومكان.

في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران». وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿ الم ﴾ حرف ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».

إن القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول القرآن: يا رب حَلِّه فيُلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده فيُلبس حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيُقال له: اقرأ وارقَ، وتُزاد بكل آية حسنة».

خامساً: ذكر الله.. جنة المؤمن في أرضه

لو نطق رمضان لقال: يا من ذقتَ لذة الذكر والاستغفار، اجعل لسانك رطبًا بذكر الله دائمًا، فالذكر هو حياة القلوب وطمأنينة النفوس. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41]، وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].

وقال صلى الله عليه وسلم في فضل الذكر: «ألا أُنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تَلقَوْا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم أو يضربوا أعناقكم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله تعالى». وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: “ما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله”.

سادساً: بيوت الله.. مأوى الأرواح المشتاقة

لو نطق رمضان لقال: يا من عمرتم المساجد في صلاة الجماعة، لا تهجروها بعد العيد. إن خطواتك إلى المسجد هي رفعة لدرجاتك وحط لخطاياك.

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المنام الطويل: «…فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات، والكفارات: المكث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره». وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح».

سابعاً: الثبات بعد رمضان.. علامة القبول وسبيل النجاة

إن أخطر ما يواجه المؤمن بعد رمضان هو الانتكاس والعودة إلى المعاصي. لو نطق رمضان لقال: يا من أصلحتم ما بينكم وبين الله، احذروا من هدم ما بنيتموه. إن المعاصي هي سبب سواد القلب وقسوته، كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].

المعاصي ليست مجرد ذنوب، بل هي سبب لتعسير الأمور وضيق الأرزاق: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]. وهي سبب لنزول البلايا والمصائب: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]. فلا ينزل البلاء إلا بذنب، ولا يُرفع إلا بتوبة.

ثامناً: رسالة إلى أمة الله.. العفاف تاج لا يذبل

لو نطق رمضان لقال: يا أمة الله، أين أنتِ من الحجاب والستر بعد رمضان؟ هل شعرتِ بلذة العفاف والطاعة وانشراح الصدر بالاحتشام؟ لا تفرِّطي في هذه النعمة، وإياكِ والعودة إلى التبرج، فقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم محذرًا: «صنفان من أهل النار لم أرهما:….. ونساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها…».

تاسعاً: العيد الحقيقي.. فرحة بطاعة الله

مضى رمضان وانقضى، وحل العيد، ولكن ليس العيد لمن لبس الجديد، بل العيد لمن طاعاته تزيد. إن فرحة العيد الحقيقية هي فرحة الفوز بإتمام الطاعة والثقة بمغفرة الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

خاتمة: أمل الأمة في العودة إلى الله

يا أمة الإسلام، افرحوا بالعيد وأدخلوا البهجة على أهليكم، ولكن لا تنسوا آلام أمتكم. أبشروا فإن الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، وإن الله وعد هذه الأمة بالتمكين إن حققت الإيمان: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ…} [النور: 55].

علينا أن نعود لديننا، ونتمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا، ففيهما النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة. جعلنا الله وإياكم من المقبولين والمستقيمين بعد رمضان.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *