# أذكار بعد صلاة الفجر: دراسة حديثية وفقهية للأوراد والفضائل
تعد اللحظات التي تلي صلاة الفجر من أثمن الأوقات في حياة المسلم؛ فهي وقت نزول البركات، وتقسيم الأرزاق، وخلوة العبد بربه في وقت السكينة والوقار. إن الجلوس في المصلى بعد صلاة الغداة حتى طلوع الشمس هو ديدن الصالحين ومنهاج العابدين، ولذا انتشرت بين المسلمين جملة من الأذكار والأوراد التي يُرجى بها نيل الثواب وتكفير الذنوب. وفي هذا المقال، نستعرض جملة من هذه الأحاديث الواردة في أذكار ما بعد صلاة الفجر، مع بيان درجتها الحديثية وتخريجها العلمي كما أورده أهل الاختصاص.
أولاً: فضل سورة الإخلاص بعد صلاة الصبح
من الأذكار التي شاع ذكرها قراءة سورة الإخلاص بعد الفريضة، وقد ورد في ذلك عدة روايات:
1. رواية المائة مرة: عن أسماء بنت واثلة بن الأسقع، عن أبيها رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى صلاة الصبح، ثم قرأ: قل هو الله أحد مائة مرة قبل أن يتكلم، فكلما قال: قل هو الله أحد غفر الله له ذنب سنة».
* التخريج العلمي: هذا الحديث حكم عليه العلماء بأنه موضوع (مكذوب). أخرجه الطبراني وابن السني، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن القشيري، وهو متروك بل كذبه أبو حاتم والأزدي، وجزم الحافظ في التقريب بكذبه.
2. رواية الاثنتي عشرة مرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ: قل هو الله أحد بعد صلاة الصبح اثنتي عشرة مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى».
* التخريج العلمي: هذا الحديث ضعيف؛ أخرجه الطبراني والبيهقي، وفيه زكريا بن عطية وهو منكر الحديث ومجهول كما قال العقيلي.
3. رواية عمل خمسين صديقاً: عن البراء بن عازب مرفوعاً: «من قرأ قل هو الله أحد مائة مرة بعد صلاة الغداة قبل أن يتكلم، رفع له ذلك اليوم عمل خمسين صديقاً».
* التخريج العلمي: هذا الأثر لم يوقف عليه مسنداً، وقد ذكره السيوطي في “داعي الفلاح”.
ثانياً: أذكار الحوقلة والتحصين من البلاء
وردت صيغ مخصوصة للحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله) بعد صلاة الفجر، ومنها:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يصلي الفجر ثم يقول حين ينصرف: لا حول ولا قوة إلا بالله لا حيلة ولا احتيال ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه سبع مرات، إلا دفع الله تعالى عنه سبعين نوعاً من البلاء».
- التخريج العلمي: الحديث ضعيف جداً؛ أخرجه الطبراني في “الدعاء”، وفي إسناده عمر بن عبد الله بن أبي خثعم اليمامي، وهو واهٍ ومنكر الحديث كما وصفه البخاري وأبو زرعة.
- التخريج العلمي: هذا الحديث منكر؛ أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات إلا عباد بن عبد الصمد، وهو ضعيف بالاتفاق ومنكر الحديث.
- التخريج العلمي: الحديث ضعيف جداً؛ لضعف نعيم بن حماد في إسناده.
ثالثاً: الشهادة والتوحيد وأجورها العظيمة
يعتبر التوحيد أصل الدين، وقد وردت أحاديث في فضل التهليل والشهادة بعد الفجر:
1. أربعون ألف حسنة: عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال بعد صلاة الصبح: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له كفواً أحد؛ كتب الله – عز وجل – له أربعين ألف حسنة».
* التخريج العلمي: الحديث ضعيف؛ أخرجه الترمذي وأحمد، وفيه انقطاع بين الأزهر بن عبد الله وتميم الداري، وفيه الخليل بن مرة وهو ليس بالقوي ومنكر الحديث عند البخاري.
2. أفضل أهل الأرض: عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال دبر صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، قبل أن يثني رجله، كان يومئذ أفضل أهل الأرض، إلا من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال».
* التخريج العلمي: إسناده لا بأس به في الشواهد؛ فقد حسنه الحافظ ابن حجر والألباني، وجوّده المنذري، فرجاله بين الصدوق والحسن الحديث.
3. عتق رقبة: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: «من قال في دبر صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كان كعتاق رقبة من ولد إسماعيل».
* التخريج العلمي: إسناده ضعيف لضعف محمد بن أبي ليلى وعطية العوفي.
رابعاً: دعاء الشيوخ والوقاية من الأمراض المستعصية
يروى في قصة مؤثرة أن رجلاً يقال له قبيصة بن المخارق أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد كبرت سنه ورقّ عظمه، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم لحاله وعلمه دعاءً:
«أعلمك دعاءً تدعو الله عز وجل به كلما صليت الغداة ثلاث مرات فيدفع الله عز وجل عنك البرص والجنون والجذام والفالج، ويفتح لك بها ثمانية أبواب الجنة، تقول: اللهم اهدني من عندك، وأفض عليّ من فضلك، وأسبغ عليّ نعمتك، وأنزل عليّ بركتك».
خامساً: الاستغفار وطلب الصلاح بعد الفجر والعصر
الاستغفار هو ممحاة الخطايا، وقد وردت فيه صيغ مخصوصة لهذه الأوقات:
1. كفارة الذنوب وإن كانت كزبد البحر: عن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال بعد الفجر ثلاث مرات، وبعد العصر ثلاث مرات: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ كُفّرت عنه ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر».
* التخريج العلمي: إسناده ضعيف جداً؛ فيه عكرمة بن إبراهيم وهو منكر الحديث ومجمع على تضعيفه، وفيه محمد بن جامع العطار وهو ضعيف.
2. دعاء إصلاح الدين والدنيا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح رفع صوته حتى يسمع أصحابه: «اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري، اللهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي – ثلاث مرات – اللهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي – ثلاث مرات – اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، اللهم إني أعوذ بك منك – ثلاث مرات – اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
* التخريج العلمي: إسناده ضعيف جداً بهذا السياق والعدد، لكن أصل الحديث كدعاء مطلق دون تقييد بالعدد أو الوقت (بعد الصبح) ثابت في صحيح مسلم عن أبي هريرة.
سادساً: كلمات الكفاية في الدنيا والآخرة
عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة غداة، وجد الله عندهن مكفياً مجزياً، خمس للدنيا وخمس للآخرة: حسبي الله لديني، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى علي، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند المساءلة في القبر، حسبي الله في القبر، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب».
سابعاً: استقبال النهار الجديد وتسبيح الخلائق
1. مرحباً بالنهار الجديد: عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعاً: «مرحباً بالنهار الجديد، والكاتب الشهيد، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الدين كما وصفت، والكتاب كما أنزل، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور».
* التخريج العلمي: حديث ضعيف؛ فيه زنفل العرفي وهو ليس بثقة ويأتي بالمناكير.
2. تسبيح الخلائق وجلب الدنيا: عن ابن عمر أن رجلاً شكا قلة الرزق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، قل: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح تأتيك الدنيا بحذافيرها صاغرة راغمة».
* التخريج العلمي: هذا الحديث موضوع؛ كما ذكر العلماء في كتب الموضوعات كـ “تنزيه الشريعة”.
خاتمة وتوجيه إيماني
إن فضل الذكر بعد صلاة الفجر لا ينكره إلا محروم، ولكن الواجب على المسلم تحري الصحيح من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وعلى الرغم من ضعف أغلب هذه الأحاديث الواردة في هذا التخريج، إلا أن بعضها له أصل في الصحيح كأدعية مطلقة، أو لها شواهد تحسنها.
إن الاشتغال بذكر الله في هذا الوقت هو تجارة رابحة مع الله، فليحرص المؤمن على الأذكار الثابتة الصحيحة، وليجعل قلبه حاضراً مع لسانه، مستحضراً عظمة الخالق، طامعاً في فضله الواسع، فما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه.

اترك تعليقاً