الشرق الأوسط الجديد: هل يسقط الغرب في فخ إعادة إنتاج الفشل الاستعماري؟

الشرق الأوسط الجديد: هل يسقط الغرب في فخ إعادة إنتاج الفشل الاستعماري؟

صراع الهوية والأرض: هل يلفظ التاريخ مشروع الشرق الأوسط الجديد؟

لم يكن وصف المؤرخ الإيطالي فرانكو كارديني للعلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي بأنها "تاريخ من سوء التفاهم" مجرد عبارة عابرة، بل هو تشخيص دقيق لواقع متجذر. هذا الانسداد المعرفي نابع من تراكم صور نمطية مغلوطة في الذهنية الغربية، صنعتها طموحات الهيمنة السياسية والاقتصادية منذ حملات الفرنجة عام 1095، وصولاً إلى العصر الحديث.

صناعة "العدو" وتزييف الوعي

رغم دعوات العلمنة والحوار الإنساني في الغرب، إلا أن استراتيجية صناعة "العدو" ظلت محركاً أساسياً للسياسات الدولية. تبرز هنا عدة محطات ساهمت في ترسيخ الفجوة:

  • الاختلاق الاستشراقي: كما وصفه إدوارد سعيد، الذي كرس صورة زائفة عن الشرق.
  • نظرية الصدام: أطروحات صامويل هنتنغتون وبرنارد لويس التي اعتبرت الإسلام خصماً حضارياً.
  • التوظيف السياسي: استخدام فكرة "الخطر الإسلامي" لتبرير السيطرة على الموارد والجغرافيا.

التناقض التاريخي: فضل الإسلام على أوروبا

تتجاهل الدوائر الاستعمارية حقيقة تاريخية كبرى؛ وهي أن الإسلام كان عنصراً جوهرياً في تشكيل الهوية الأوروبية والنهضة العلمية. فمن خلال الأندلس والاحتكاك مع الدولة العثمانية، انتقلت القواعد القانونية، النظم الاجتماعية، والعلوم التجريبية التي أسست للقانون الدستوري والنهضة الحديثة في القارة العجوز.

من بلفور إلى نتنياهو: اللاهوت في خدمة الاستعمار

نشهد اليوم ذروة توظيف الأيديولوجيا الدينية لخدمة الأهداف التوسعية. فالمشروع الصهيوني، رغم جذوره العلمانية، استغل "الوعد التوراتي" لحشد الدعم الغربي، وخاصة المسيحية الصهيونية.

تتجلى هذه النزعة بوضوح في خطاب بنيامين نتنياهو، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث يتم تصوير الصراع كمعركة "نبوءات" تمهد لسيادة إسرائيلية كاملة. هذا الخطاب يهدف إلى:

  1. تفكيك دول المنطقة وإشاعة الفوضى.
  2. تحويل إسرائيل إلى وكيل حصري للهيمنة الأمريكية.
  3. فرض واقع "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات تحت ستار محاربة التطرف.

وهم القوة وحتمية الفشل الاستعماري

يسعى الاحتلال الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، إلى فرض شرق أوسط جديد بقوة السلاح والنار، متجاهلاً الدروس القاسية للتاريخ المعاصر. إن محاولات القفز فوق حقائق الجغرافيا والديموغرافيا تواجه عوائق صلبة:

  • الجينات الحضارية: تمتلك شعوب المنطقة منظومة قيم عصية على الكسر ترفض التغيير القسري.
  • التجارب الفاشلة: ما حدث للولايات المتحدة في الصومال، أفغانستان، والعراق يثبت أن التفوق العسكري لا يضمن الهيمنة المستدامة.
  • الرفض الشعبي المتصاعد: الرفض المطلق لوجود وكيل استعماري يدير المنطقة برمتها.

الخاتمة

إن محاولة إعادة إنتاج المشروع الاستعماري القديم بمسميات جديدة مثل "الشرق الأوسط الجديد" لن تكون سوى فخ جديد يسقط فيه المخططون. فالتاريخ لا يرحم من يتجاهل ديناميكيات الشعوب، والهيمنة المبنية على "الدم والنار" مآلها الانكسار أمام صخرة الوعي الجمعي والهوية الراسخة لأهل الأرض.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *