# حقيقة العبودية لله: درر إيمانية من فكر الإمام ابن الجوزي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن أسمى مراتب الوجود الإنساني، وأعلى مقامات الشرف الروحاني، هي مقام العبودية لله عز وجل. إنها الغاية التي من أجلها خُلق الخلق، وبها نُصبت الموازين، وعليها مدار السعادة في الدارين. وفي هذا المقال، نستلهم من فيض إمام الوعظ، ابن الجوزي رحمه الله، كلماتٍ سطرها في كتابه الفذ “صيد الخاطر”، لتكون نبراساً ينير القلوب السائرة إلى الله.
دهشة العارفين وحقيقة الاغترار
يستهل الإمام ابن الجوزي حديثه بتعجبٍ ينم عن عمق البصيرة، فيقول: “واعجبا من عارف بالله عز وجل يخالفه ولو في تلف نفسه”. إن هذا التعجب يضعنا أمام تساؤلٍ وجوديٍ عميق: كيف يمكن لقلبٍ ذاق طعم المعرفة، وأبصرت عينه جلال الربوبية، أن يميل نحو المخالفة؟ إن المعرفة الحقة تقتضي الهيبة، والمحبة الصادقة تقتضي الطاعة.
إن العبودية لله ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي استسلام كلي لمشيئة الخالق. فهل العيش الحقيقي إلا في كنف الله؟ وهل الدنيا والآخرة بأسرهما إلا ملك له؟ إن من يترخص في فعل ما يكرهه الله لينال حطاماً فانياً مما يحبه هو، فقد أخطأ طريق الرشاد. تالله، لقد فات هذا المسكين من القرب والأنس واللذة الإيمانية أضعاف ما حصل عليه من تلك الشهوة الزائلة.
مقام المراقبة وحراسة القلوب
ينادي الإمام أصحاب الذوق السليم، أولئك الذين صفت سرائرهم، ليسألهم: هل تعثرت بكم السبل؟ هل تخبطت أحوالكم المعيشية أو النفسية؟ إن المتأمل يجد أن كل كدرٍ يحل بالمرء، وكل ضيقٍ يضيق به صدره، إنما هو نتيجة لمخالفة أمر الله. وكما قيل في الأثر:
*ولا انثنى عزمي عن بابك … إلاّ تعثرت بأذيالي*
إنها دعوة صريحة لـ “أرباب المعاملة” مع الله؛ أولئك الذين يراقبون حركات قلوبهم قبل سكنات جوارحهم. يا من ترجون صفاء المشرب الإيماني، احذروا أن تكدروه بالمعاصي. قفوا على باب المراقبة وقوف الحراس الحازمين، وادفعوا عن قلوبكم كل خاطرٍ رديء لا يصلح أن يلج في حضرة القدس فيفسدها. إن طريق العبودية لله يتطلب هجر الأغراض الشخصية الضيقة لتحصيل محبوب المحبوب سبحانه، وعندها فقط، ستجد أن أغراضك الدنيوية قد تحققت ببركة هذا الإخلاص.
العبودية بين الجزاء والرضا
ينتقل بنا ابن الجوزي إلى مستوى أعمق في فهم العبودية لله، حيث ينتقد أولئك الذين يعبدون الله فقط من أجل الجزاء والثواب. يقول بلهجة حادة: “أف لمن ترك بقصد الجزاء. أهذا شرط العبودية؟ كلا!”.
إن العبد الحقيقي هو الذي يفعل الفعل ليرضى سيده، لا لينال عطاءً فحسب. فالمملوك لا يمنّ على سيده بخدمته، والمحب يرى أن بذل روحه وأعضائه (آرابه) في رضا محبوبه هو عين الوصل والكمال.
1. العبودية الاضطرارية: وهي خضوع كل الخلائق لربوبية الله وقدره.
2. العبودية الاختيارية: وهي عبودية الطاعة والمحبة، حيث يتحرك العبد بدافع الشوق والرضا.
إن كنت أيها السالك مخدوعاً بغرضك، فأقبل نصح الإمام. إن ضعفت عن تحمل بلاء الله، فاستغث به ولا تلجأ لغيره. وإن آلمك ضيق الاختيار، فكن بين يديه كالطفل بين يدي أمه، ولا تيأس من روحه أبداً، فموت الخادم وهو في خدمة سيده هو غاية الحسن والجمال عند العقلاء.
خطاب النفس المقصرة
يوجه الإمام الخطاب لنفسه ولنا جميعاً، في وقفة محاسبة صادقة. أيتها النفس، لقد غمرك الله بنعمٍ لم تأمليها، وبلغ بكِ آمالاً لم تطلبيها. والأعظم من ذلك، أنه ستر عليكِ من القبيح ما لو فاحت رائحته لضجت المشام وهرب منكِ القريب والبعيد. فما بال هذا الضجيج والجزع عند فوات كمال الأغراض الدنيوية؟
هل أنتِ مملوكة أم حرة؟ إن كنتِ مملوكة، فالمملوك لا يتخير على سيده. أين دعوى المعرفة بالله؟ لو سلبكِ الله نعمة البصر بنفحة واحدة، كيف كانت ستطيب لكِ الدنيا؟ واأسفا على بصيرةٍ قد غُشيت، وعلى نفسٍ تتمادى في الخطأ وهي ترى سفينة العمر تقترب من ساحل القبر.
سفينة العمر وساحل القبر
إن هذا التصوير البديع لرحلة العمر هو من أقوى مواعظ ابن الجوزي. سفينة حياتك قد اقتربت من النهاية، وما زال مركبك خالياً من البضاعة التي تربح في سوق الآخرة. لقد تلاعبت رياح الضعف والشيب بمركبك، وتفرقت قواك، وأنت لا تزال تلتفت بعين الهوى إلى أيام الصبا والشباب.
يقول الإمام مناشداً:
- لا تشمتي بكِ الأعداء (الشياطين والنفس الأمارة).
- لا يسبقنكِ الآخرون في مضمار السبق وأنتِ قادرة على الركض.
- استحضري قرين العقل، وجولي في فكركِ ملياً.
الخلوة واستدراك ما فات
إن العلاج الذي يقترحه الإمام هو “الخلوة”. الخلوة التي تتيح للنفس أن تراجع حساباتها قبل فوات الأوان. استدركي بقية الأجل قبل أن تميل بكِ الأهواء عن جادة الصواب. من العجب أننا كلما زاد عمرنا (صعدنا في السنين)، نزلنا في الهمة والعمل! وكلما اقترب الموت منا، زاد هزلنا وغفلتنا.
هل نسينا قول الله تعالى: “وَتِلْكَ الأمْثَالُ تَضْرِبَها لِلنَّاس وَمَا يعقلها إِلاَّ الْعالُمون”؟ إن العاقل هو من كان يومه خيراً من أمسه، وشيبه أصلح من شبابه. لا تكن ممن خُتم له بفتنة، أو قضيت عليه في أواخر عمره المحنة.
الخاتمة والدعاء
إن حقيقة العبودية لله هي رحلة تبدأ بالمعرفة، وتمر بالمراقبة، وتنتهي بالرضا التام عن الله في كل حال. إنها الاستعداد الدائم للقاء الله بقلبٍ فارغ مما سواه.
نسأل الله عز وجل توفيقاً لا ينقطع، وهداية لا تضل، وقلباً لا يزيغ. نسأله سبحانه ما لا يحصل إلا به، وهو التوفيق والسداد، إنه سميع مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.


اترك تعليقاً