حرب إيران: هل انتهت حقاً؟ قراءة في مآلات الصراع والفتن

# حرب إيران: قراءة في مآلات الصراع وفقه الموازنات السياسية

في عالمٍ يموج بالفتن، وتتلاطم فيه أمواج المصالح السياسية التي لا تهدأ، يقف المراقبون اليوم أمام مشهدٍ شديد التعقيد حول مآلات الصراع في المنطقة. إن المتأمل في أحوال الأمم يدرك أن الحروب ليست مجرد قعقعة سلاح، بل هي اختبارات قاسية تظهر فيها معادن الرجال وحكمة القيادة، ومدى القدرة على حماية الأنفس والأموال التي هي من الضرورات الخمس في شريعتنا الغراء.

تصريحات ترامب: هل وضعت الحرب أوزارها؟

بصورة مفاجئة، وفي مساء يوم الاثنين الماضي، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر شبكة “CBS” الإخبارية ليعلن للعالم أن “الحرب الإيرانية قد انتهت تماماً إلى حد كبير”. هذا التصريح لم يكن مجرد خبر عابر، بل كان بمثابة إعلان عن تحول استراتيجي كبير. أكد ترامب في حديثه أن العمليات العسكرية قد تجاوزت الجدول الزمني الموضوع لها، محققة أهدافها بسرعة فاقت التوقعات التي كانت تشير إلى استمرار القتال لمدة تتراوح بين أربعة إلى خمسة أسابيع.

وبرر ترامب هذا الإعلان الجريء برؤيته الميدانية التي تزعم أن إيران قد استُنزفت عسكرياً بالكامل؛ حيث وصف حالة القوى الإيرانية بكلمات قاسية، مشيراً إلى أن القوات البحرية قد دُمّرت، وسلاح الجو قد شُلّ، فضلاً عن تشتيت مخزونات الطائرات المسيرة والصواريخ واستهداف مصانعها. بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين لوّح بالسيطرة الكاملة على مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي يمثل عصب التجارة العالمية، بذريعة ضمان أمن الملاحة.

التناقض الصارخ: بين لغة الاستسلام وصرخات التحدي

إن الناظر بعين البصيرة يجد تناقضاً عجيباً في المشهد؛ فبينما يتحدث ترامب عن انتهاء الحرب، نجد أن تصريحاته السابقة وتصريحات وزير دفاعه كانت تشدد على أنه لا وقف للقتال إلا بإعلان إيران استسلامها الكامل. وفي المقابل، تخرج الخارجية الإيرانية بلغة ملؤها التحدي، مؤكدة أن العدو لا يملك حق تحديد بداية ونهاية الحرب، وأن القوات المسلحة الإيرانية عازمة على تلقين المعتدي درساً لن ينساه.

هنا نجد أنفسنا أمام تساؤل جوهري: أين تكمن العقدة الحقيقية؟ هل هي في شخصية القائد القادم لإيران، خاصة بعد أن وضع ترامب “فيتو” واضحاً على اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى؟ أم أن القضية تتعلق بتجريد إيران التام من طموحاتها النووية؟ إنها صراعات الإرادات التي تجعل من الأرض ساحة للابتلاء، وتجعل من الدماء ثمناً للمساومات السياسية.

فقه المساومة في الحرب: رؤية تحليلية

لفهم هذا الضباب الاستراتيجي، نحتاج إلى الاستعانة بـ “نموذج المساومة في الحرب”، وهو اقتراب عقلاني يرى أن الحرب، برغم آلامها وتكاليفها الباهظة، هي في جوهرها عملية تفاوضية دموية. ينطلق هذا النموذج من قاعدة أن الحرب مكلفة للطرفين، ولذلك لا بد من وجود “نقطة تلاقٍ” أو تسوية سلمية يفضلها الطرفان على استمرار النزيف.

وتعتمد هذه الأداة على معادلة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها:

1. حسابات الطرف القوي: ينظر إلى الميدان ويقدر نسبة ربحه، ثم يخصم منها تكاليف الحرب (البشرية والمادية). فإذا توقع ربحاً بنسبة 70% وتكلفة بنسبة 10%، فإنه سيرضى بأي تسوية تمنحه 60% فأكثر دون قتال.
2. حسابات الطرف الآخر: يدرك حجم خسارته المحتملة، ويضيف إليها تكاليف الصمود. فإذا كانت خسارته المتوقعة 70% والتكلفة الإضافية 10%، فإنه قد يتنازل عن 80% من مطالبه ليتجنب دماراً أكبر.

تنشأ هنا “منطقة المساومة”؛ وهي الفجوة التي تقع بين ما يرضى به الأول وما يستعد للتنازل عنه الثاني. وبمجرد اكتشاف هذه المنطقة، تنتهي الحرب عسكرياً لتبدأ سياسياً. ولكن، ماذا لو كانت القضية “صفرية” لا تقبل القسمة؟ هنا تكمن المصيبة.

عقدة “مجتبى خامنئي”: القضية غير القابلة للقسمة

تتجلى المعضلة الحقيقية في إصرار إيران على اختيار مجتبى خامنئي، في مقابل رفض أمريكي قاطع. في علم السياسة، تُسمى هذه “القضايا غير القابلة للقسمة”. لا يمكن أن يكون هناك نصف مرشد أو نصف قيادة؛ فإما هو أو غيره.

يرى ترامب، بمنطق التاجر والمحارب، أن إيران تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن الضربات المتبقية ما هي إلا “رقصة الموت” التي تسبق الانهيار. لذا هو يرفض تقديم أي تنازل في ملف القيادة. أما إيران، فتراهن على عامل الوقت، وتأمل أن تنكسر الجبهة الداخلية لترامب تحت ضغط أسعار النفط والخسائر البشرية، مما يجبره على قبول الأمر الواقع.

إننا أمام مشهد يتصارع فيه طرفان: أحدهما يصارع الوقت والضغط الداخلي، والآخر يصارع الدمار العسكري والانهيار الوشيك. وفي خضم هذا الصراع، تضيع الأنفس وتُدمر المقدرات، مما يستوجب على العقلاء البحث عن مخرج يحقن الدماء ويحفظ كرامة الشعوب.

سيناريوهات النهاية: إلى أين يمضي بنا القدر؟

بناءً على المعطيات الميدانية والتحليلات الاستراتيجية، يمكننا استشراف ثلاثة سيناريوهات لنهاية هذه الأزمة المحتدمة:

أولاً: سيناريو الاختراق الداخلي

وهو السيناريو الذي يراهن عليه ترامب؛ حيث تؤدي شدة الضغط العسكري والدمار الاقتصادي إلى انقسام داخل النخبة الحاكمة في إيران. قد يبرز تيار يرى أن الحفاظ على بقاء النظام ككل أولى من التمسك بشخص مجتبى خامنئي، وقد يتم الإعلان عن مخارج سياسية أو حتى صحية لتجاوز هذه العقبة، مما يفتح الباب لتسوية سريعة تنهي حالة الحرب.

ثانياً: سيناريو التسوية الشاملة (الواقعية السياسية)

يحدث هذا عندما يدرك الطرفان أن تكلفة الحسم العسكري الكامل باهظة جداً. قد تقبل أمريكا ببقاء رأس النظام مقابل “نزع مخالبه الإقليمية” وتفكيك أذرعه في المنطقة، مع تسليم كامل للملف النووي لجهة دولية ثالثة. سيكون مخرج ترامب أمام شعبه أنه حيد الخطر دون غزو بري مكلف، وسيكون مخرج النظام الإيراني أنه حافظ على وجوده في وجه العاصفة.

ثالثاً: سيناريو اللاحرب واللاسلم (الحصار الخانق)

في هذا السيناريو، يوقف ترامب القصف الجوي الكبير ويعلن “النصر العسكري”، لكنه يبقي على حصار بحري وجوي شامل، مع سيطرة كاملة على مضيق هرمز. فتتحول الحرب من مواجهة عسكرية مفتوحة إلى عملية استنزاف استراتيجي طويلة الأمد، تشبه إلى حد كبير وضع الحصائر الخانقة التي شهدتها دول أخرى، مما يجعل الدولة في حالة موت سريري مستمر.

خاتمة وتفكر

إن الحرب في حقيقتها ليست مجرد أرقام وتصريحات، بل هي بلاء عظيم يختبر الله به عباده. إن العاقل هو من يدرك أن القوة لله جميعاً، وأن هذه الصراعات مهما عظمت، فإن مآلها إلى زوال. إن الواجب اليوم هو التضرع إلى الله أن يجنب بلاد المسلمين الفتن، وأن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة ويُحقن فيه دماء الأبرياء.

ستنتهي الحرب يوماً ما، لكن التاريخ لن ينسى من سعى في إشعالها ومن سعى في إطفائها. فليتقِ الله من بيده قرار الحرب، وليعلم أن كل قطرة دم تسيل هي مسؤولية أمام الله الواحد القهار. نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمراً رشيداً، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *