احتلال فلسطين وسقوط الخلافة: قراءة في أبعاد نازلة العصر الكبرى

# نازلة العصر: احتلال فلسطين وسقوط الخلافة.. الجرح النازف والواجب الغائب

إن المتأمل في واقع الأمة الإسلامية المعاصر يجد نفسه أمام ركام من الفواجع والمحن، إلا أن ثمة أحداثاً مفصلية مثلت زلزالاً هز كيان الأمة، وغير مجرى تاريخها، وأدخلها في نفق مظلم من الضعف والشتات. إننا نتحدث عن “نازلة العصر” التي لا تزال آثارها تكتوي بها القلوب، وتنزف منها الجراح.

احتلال فلسطين: جوهر الصراع وأس النازلة

يعد احتلال اليهود لأرض فلسطين أشد نازلة حلت بالمسلمين في هذا العصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن هذا الحدث ليس مجرد صراع على حدود جغرافيّة، أو نزاع على موارد اقتصادية، بل هو زلزال عقدي أصاب الأمة في مقتل. ولهذا الاحتلال أبعاد كبيرة وآثار عظيمة سياسية واقتصادية واجتماعية، ومع ذلك يبقى الجانب الديني في قضية الاحتلال هو جوهرها وأسها وأساسها.

إن فلسطين ليست مجرد قطعة أرض، بل هي مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماء، وهي الأرض التي بارك الله حولها. لذا، فإن احتلالها يمثل اعتداءً مباشراً على مقدسات المسلمين وعقيدتهم. ومن هنا، يتعين على المسلمين كافة بذل الوسع في جهاد اليهود ومقاومتهم؛ لتطهير الأرض المقدسة من رجس اليهود وإنقاذ أهل فلسطين وإعانتهم بكل ما أوتوا من قوة ووسيلة.

كارثة سقوط الخلافة: التمهيد للضياع

لم يكن احتلال فلسطين وليد الصدفة، بل سبق هذا الاحتلال ومهد له نازلة أخرى كبرى، وهي: سقوط الخلافة الإسلامية؛ فكانت الكارثة، وأية كارثة! لقد كان سقوط الخلافة هو الانكسار الذي تصدع بسببه جدار الحماية للأمة، وفقدت فيه المظلة السياسية والشرعية التي كانت تجمع شتات المسلمين تحت راية واحدة.

وقد قيل في وصف تلك الفاجعة الأليمة كلمات تدمي القلوب:

  • خليفة يخلع.
  • وخلافة تُلغى.
  • وأموال تصادر.
  • وأوقاف تضم إلى أملاك الدولة.
  • وتعليم ديني يُمحى.
  • ومحاكم شرعية تُغلق.

لقد كان سقوط الخلافة إيذاناً ببدء عصر التغريب والتبعية، حيث تلاشت المؤسسات التي كانت تحفظ للدين هيبته وللشريعة سيادتها، وأصبح المسلمون كالأيتام على مأدبة اللئام.

من الاستعمار إلى الغزو والدمار

وعلى أثر هذا السقوط المريع، وقع الاحتلال الأجنبي الكافر على معظم الديار الإسلامية، وهو ما يسمى خطأ بـ “الاستعمار”. إن هذه التسمية هي تزوير للواقع، فالاستعمار لغةً يوحي بالعمارة والبناء، بينما الحقيقة هي أنه غزو ودمار. لقد جاء هذا الاحتلال لينهب الخيرات، ويستعبد الشعوب، ويمزق الهوية.

لقد نتج عن هذا الغزو الممنهج تقسيم بلاد المسلمين إلى دويلات صغيرة هشة، رُسمت حدودها بمسطرة المحتل، لضمان بقائها في صراع دائم وضعف مستمر، لا تملك من أمرها شيئاً، وتظل تابعة للمراكز الرأسمالية والسياسية في الغرب.

إقصاء الشريعة وإحلال القوانين الوضعية

من أعظم الآثار المدمرة التي خلفها سقوط الخلافة والوقوع تحت نير الاحتلال الأجنبي هو إحلال القوانين الوضعية والأنظمة البشرية المستوردة من الغرب الكافر دستوراً في هذه الدويلات. لقد تم إقصاء الشريعة الإسلامية في التحاكم إليها والصدور عنها، اللَّهُمَّ إلا في قضايا محدودة، وهي الأحوال الشخصية ونحوها، وحتى هذه لم تسلم في كثير من الأحيان من محاولات التعديل والتبديل لتوافق الأهواء الغربية.

إن استبدال شرع الله بقوانين من وضع البشر هو اعتداء على سيادة الخالق سبحانه، وهو ما أدى إلى فساد الحياة واختلال الموازين، وغياب العدل الذي لا يتحقق إلا بتحكيم ما أنزل الله.

الحرب على الهوية وإفساد المجتمع

ولم يكتفِ المحتل بالسيطرة العسكرية والسياسية، بل نجم عن هذا الاحتلال السعي الجاد في إفساد المجتمع المسلم. لقد استُخدمت كافة الوسائل الإعلامية والتعليمية لإبعاد المجتمع عن مبادئ الإسلام وقيمه، وتغيير هويته الأصيلة، وإضعاف انتمائه لعقيدته.

إننا نشهد اليوم هجمة شرسة تستهدف الأسرة المسلمة، وتحاول نزع الحياء من المرأة، وتمييع عقيدة الولاء والبراء لدى الشباب، ليكونوا مسوخاً يلهثون وراء كل ما هو غربي، فاقدين للاعتزاز بدينهم وتاريخهم.

الواجب الشرعي ومسؤولية الأمة

أمام هذه النوازل المتلاحقة، لا يجوز للمسلم أن يقف موقف المتفرج. إن الواجب يحتم علينا:

1. الوعي بحقيقة الصراع: أن ندرك أن قضية فلسطين هي قضية عقدية في المقام الأول، وأن الصراع مع المحتل هو صراع وجود لا صراع حدود.
2. العمل على وحدة الصف: نبذ الفرقة والشتات التي كرسها الاحتلال، والسعي لاستعادة روح الجسد الواحد.
3. إحياء التعليم الديني: الوقوف في وجه محاولات محو التعليم الشرعي، وتربية الأجيال على القرآن والسنة.
4. التمسك بالشريعة: المطالبة بتحكيم شرع الله في كافة شؤون الحياة، والاعتزاز بالهوية الإسلامية في مواجهة التغريب.
5. النصرة والإعانة: بذل كل جهد ممكن لإعانة المرابطين في أرض فلسطين، بالمال والدعاء والكلمة، ونشر قضيتهم في كل محفل.

خاتمة

إن نازلة احتلال فلسطين وما سبقها من سقوط الخلافة هي اختبار لتمسك الأمة بدينها. ورغم قتامة المشهد، إلا أن وعد الله باقٍ، ونور الحق لا يطفئه ظلام الباطل. إن العودة إلى الأصول، وتحكيم الوحيين، وتطهير القلوب من الوهن، هو السبيل الوحيد لتطهير الأرض المقدسة من رجس اليهود، واستعادة العزة المسلوبة.

فاللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، وطهر المسجد الأقصى من دنس الغاصبين، وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *