دورة الحروب الأمريكية: شعارات براقة ونتائج كارثية
تتكرر السردية العسكرية الأمريكية عبر العقود كأنها حلقة مفرغة؛ جغرافيا متبدلة بأسماء جديدة، لكن الشعارات تظل ثابتة: "الدفاع عن الحرية" و"حماية المصالح الإستراتيجية". ومع ذلك، تنتهي هذه المغامرات دائماً بذات النتيجة: فوضى عارمة، دول ممزقة، ومجتمعات مثقلة بالديون والدماء.
في هذا السياق، لم تعد السينما الأمريكية مجرد أداة للبروباغندا البطولية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مرآة ناقدة. ومن أبرز الأعمال التي جسدت هذا التحول هو فيلم آلة الحرب (War Machine) الصادر عام 2017، والذي قدم تشريحاً سينمائياً جريئاً لآلية إدارة الحروب التي تفتقر إلى الرؤية.
فيلم آلة الحرب: حينما تصبح الحرب «عرضاً تقديمياً»
الفيلم، الذي أخرجه الأسترالي ديفيد ميشود وقام ببطولته براد بيت، مستوحى من كتاب "المشغلون" للصحفي مايكل هاستينغز. لا يركز العمل على المعارك الميدانية بقدر ما يسلط الضوء على الغرف المغلقة حيث تُدار الحرب كأنها مشروع تجاري أو حملة علاقات عامة.
في أحد أكثر مشاهد الفيلم دلالة، نرى الجنرال وفريقه يغرقون في خرائط ملونة وبيانات رقمية فيما يُعرف بـ "إستراتيجية النصر". هنا، تتحول الحرب إلى مجرد PowerPoint Presentation، حيث تُختزل الأرواح والجغرافيا في أرقام صماء، ويُعزل القرار العسكري تماماً عن الواقع الميداني المعقد.
شخصية الجنرال: الغرور كفخ إستراتيجي
يقدم براد بيت أداءً لافتاً لشخصية الجنرال "غلين ماكمان" (المستوحاة من الجنرال ستانلي ماكريستال). يظهر الجنرال كشخصية محاصرة بغرورها، مؤمناً بأن القوة المحضة وزيادة القوات كفيلة بحسم صراع سياسي وتاريخي معقد.
أبرز ملامح المأزق العسكري في الفيلم:
- انفصال القيادة: الإيمان بأن المشكلات السياسية يمكن حلها بأدوات تقنية عسكرية.
- البيروقراطية السياسية: التوتر الدائم بين واشنطن التي تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، والقادة العسكريين الذين يطاردون وهم النصر.
- الهزيمة اللغوية: إعادة صياغة الفشل بمصطلحات تجميلية مثل "إعادة التموضع" أو "التعديل الإستراتيجي".
الهامش المغيب: الأفغان في عين العاصفة
بينما تنشغل الآلة العسكرية الأمريكية بصورتها، يصور الفيلم الشخصيات الأفغانية كعناصر ثانوية في سردية لا تملك السيطرة عليها. يظهر الرئيس حميد كرزاي في صورة كاريكاتورية تعكس هزليّة السلطة المحلية الممنوحة من الخارج، بينما يظل الجنود والسكان مجرد وجوه عابرة في خلفية المشهد، مما يعزز فكرة الإقصاء المتعمد لأصحاب الأرض من تقرير مصيرهم.
رؤية فنية: بين الكوميديا السوداء والواقع المر
اعتمد الفيلم على إيقاع مونتاج متقطع وسخرية لاذعة تنبع من تناقض الخطاب مع الواقع. أداء براد بيت، الذي اتسم بالمبالغة الكاريكاتورية، كان مقصوداً ليعكس حالة "اللامنطق" التي تدار بها المنظومة العسكرية.
الخاتمة: هل يتعلم التاريخ من السينما؟
لا يعد فيلم آلة الحرب مجرد توثيق لفشل مرحلة في أفغانستان، بل هو تحذير مستمر من مغبة الغطرسة العسكرية. وبينما يواجه العالم أزمات جيوسياسية جديدة، يظل السؤال قائماً: هل ستستمر "آلة الحرب" في إنتاج الأزمات نفسها، أم أن الدرس قد استوعب أخيراً؟
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً