مقدمة: الاختبار الصيني الصعب في الشرق الأوسط
تجد الصين نفسها اليوم أمام اختبار دقيق ومعقد لإستراتيجيتها العالمية، فبينما كانت بكين تترقب تراجع الهيمنة الأمريكية، جاء تصاعد التوترات والحروب في الشرق الأوسط، وتحديداً الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ليضع القيادة الصينية أمام مفارقة لم تكن في الحسبان.
ترى الباحثة زونغيوان زوي ليو، المتخصصة في دراسات الصين، أن بكين التي لطالما تمنت رؤية واشنطن أضعف، تجد نفسها الآن قلقة من "عجز" الولايات المتحدة بقدر ما كانت قلقة من قوتها.
المفارقة المزدوجة: ضعف أمريكي لا يخدم بكين
تتمثل المعضلة الصينية في أن الولايات المتحدة الحالية -خاصة مع عودة دونالد ترمب- باتت أقل التزاماً بالنظام القائم على القواعد وأكثر ميلاً لاستخدام القوة بطرق غير متوقعة. هذا التحول يخلق وضعاً مربكاً لصناع القرار في بكين:
- الرغبة الصينية: تريد بكين أمريكا قوية بما يكفي لضمان استقرار الأسواق وحماية ممرات التجارة.
- التخوف الصيني: تخشى بكين أمريكا المتقلبة التي تزعزع المؤسسات الدولية والمنظومة المالية التي تعتمد عليها الصين في نموها.
لماذا تعتبر حرب إيران تهديداً وجودياً للصين؟
خلافاً للحرب الروسية في أوكرانيا، تمثل الحرب على إيران تهديداً مباشراً للمصالح الإستراتيجية الصينية. لا يقتصر الأمر على إمدادات النفط فحسب، بل يمتد ليشمل:
- استقرار النظام العالمي: تعتمد الصين على نظام دولي مستقر (أنشأته واشنطن تاريخياً) لتصريف صادراتها.
- الممرات البحرية: أي فوضى في الشرق الأوسط تهدد أمن الطرق التجارية الحيوية.
- المنظومة المالية: رغم محاولات بكين بناء أنظمة موازية، إلا أنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على الدولار والسيولة العالمية.
إستراتيجية الحذر: الدبلوماسية فوق التدخل العسكري
تتبع بكين في الأزمة الإيرانية سياسة قائمة على "الحذر الإستراتيجي". فهي تبتعد عن الانخراط العسكري المباشر، وتكتفي بالدعوات الدبلوماسية لوقف إطلاق النار. هذا السلوك ليس نابعاً من اللامبالاة، بل هو محاولة لحماية نموذجها الاقتصادي القائم على التصدير، والذي يتطلب هدوءاً جيوسياسياً لا توفره الحروب المفتوحة.
ملف تايوان وحسابات القوة المتقلبة
يرى المحللون أن انشغال واشنطن في الشرق الأوسط قد يغري الصين بالتحرك نحو تايوان، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. الحسابات الصينية لا تسأل فقط عن "تشتت" أمريكا، بل عن نوع أمريكا التي ستواجهها. فمواجهة دولة عظمى "متقلبة وغير متوقعة" قد يكون أخطر بكثير من مواجهة قوة عظمى مستقرة تلتزم بقواعد الاشتباك التقليدية.
الخلاصة: الصعود في عالم مضطرب
بينما ينجرف العالم نحو الفوضى، تحاول الصين موازنة طموحاتها في الاعتماد على الذات مع حاجتها للبقاء ضمن نظام عالمي يعمل بالحد الأدنى من القواعد. إن المفارقة الكبرى تكمن في أن بكين قد حصلت بالفعل على ما أرادته وهو "تراجع النفوذ الأمريكي"، لكنها اكتشفت أن الثمن هو العيش في عالم أكثر تقلبًا وفوضى، مما يجعل كل خطوة قادمة لشي جين بينغ بمثابة رهان دقيق على حافة الهاوية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً