# جلال القرآن الكريم في أوصافه الربانية: رحلة إيمانية في أعماق الوحي
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً. والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد:
إن المتأمل في ملكوت السماوات والأرض يدرك عظمة الخالق، ولكن المتدبر في آيات الكتاب المسطور يدرك عظمة المتكلم سبحانه. لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم ليكون هدايةً للبشرية الحائرة، ونوراً يمزق ظلمات الجهل والضلال، ورحمةً تضمد جراح القلوب وتأخذ بالأرواح إلى صراط الله المستقيم. لم يكن القرآن مجرد نصوص تُتلى، بل هو منهج حياة، ودستور أمة، وروحٌ تسري في كيان المؤمن فتوقظ فيه معاني العبودية والتعظيم.
لقد وصف الله سبحانه كتابه بأوصافٍ جليلة، تعكس سمو مكانته وعظيم قدره عند رب العالمين. هذه الأوصاف ليست مجرد نعوت لغوية، بل هي بوابات لفهم طبيعة هذا الوحي الإلهي، فكلما تعمق المؤمن في تدبر هذه الأوصاف، ازداد يقيناً بعظمة كلام ربه، واشتدَّ تمسكه بحبل الله المتين الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد.
أولاً: القرآن الحكيم.. إحكام في التشريع وهداية للقلوب
من أعظم أوصاف القرآن الكريم أنه “الحكيم”، وقد أقسم الله تعالى بهذا الوصف في كتابه فقال: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1-2]، وقال سبحانه: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1]. والحكمة في اللغة والشرع تعني وضع الشيء في موضعه اللائق به، وهذا هو جوهر القرآن الكريم؛ فهو حكيم في نظمه، حكيم في تشريعه، وحكيم في أثره على النفوس.
إن القرآن الحكيم يخاطب الفطرة البشرية بما يناسبها، فيأتي بالدليل العقلي لمن يبحث عن الحقيقة، وبالوعظ المؤثر لمن قسى قلبه، وبالبشارة لمن أقبل على ربه. وكما ذكر صاحب “في ظلال القرآن”، فإن هذا الكتاب يربي بحكمة وفق منهج نفسي وعقلي قويم، يوجه طاقات الإنسان نحو الصلاح، ويضع للحياة نظاماً متوازناً يسمح بالنشاط البشري ضمن حدود المنهج الإلهي الحكيم.
ويمكننا أن نلمس تجليات إحكام هذا الكتاب في جوانب عدة ذكرها الإمام السعدي رحمه الله:
1. جزالة الألفاظ وسمو المعاني: جاءت آياته بأفصح الألفاظ وأبينها، لتدل على أجلّ المعاني وأشرفها، فلا تجد فيه لفظاً في غير موضعه، ولا معنىً يشوبه نقص.
2. الحفظ الإلهي: هو الكتاب الذي تكفل الله بحفظه من التغيير والتبديل، والزيادة والنقصان، ليبقى حجة الله البالغة على خلقه إلى قيام الساعة.
3. الصدق المطلق: كل ما ورد فيه من أخبار الغيب، والقصص الغابرة، والسنن الكونية، يطابق الواقع تمام المطابقة، ولم يثبت علمٌ صحيحٌ يناقض ما قرره القرآن.
4. كمال التشريع: ما أمر القرآن بشيء إلا وفيه مصلحة خالصة أو راجحة، وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة محققة، فهو ميزان العدل المطلق.
5. التوازن بين الترغيب والترهيب: يجمع بين البشارة والإنذار بأسلوب بليغ تعتدل به النفوس، فلا تقنط من رحمة الله ولا تأمن مكره.
6. وحدة البناء وعدم التناقض: رغم نزوله في سنوات متفرقة وفي ظروف مختلفة، إلا أنك تجد آياته متسقة، يصدق بعضها بعضاً، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
ثانياً: القرآن العزيز.. المنعة والرفعة والغلبة
وصف الله تعالى كتابه بالعزة فقال: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41]. والعزيز في اللغة هو النفيس الذي يصعب مناله، وهو أيضاً المنيع الذي لا يُغلب. وعزة القرآن تتجلى في كونه ممتنعاً على الباطل، محفوظاً بحفظ القوي العزيز.
إن عزة القرآن الكريم تظهر في وجوه شتى:
- عزة الامتناع: فهو منيع من الشيطان، لا يستطيع أن يمسه بتبديل أو تحريف، ولا يجد إليه سبيلاً.
- عزة القهر والغلبة: القرآن يغلب كل حجة باطلة، ويقهر كل فكر ضال، فحججه دامغة وبراهينه ساطعة.
- عزة المكانة: هو كريم على الله، عزيز عنده، أنزله بعلمه على رسوله الكريم.
- عزة الإعجاز: يمتنع على البشر والجن ولو اجتمعوا أن يأتوا بمثله، فهو الغالب دائماً في تحديه للبلغاء والفصحاء.
- بشير: يبشر الطائعين بجنات النعيم، ورضا رب العالمين، والحياة الطيبة.
- نذير: ينذر الغافلين من سوء العاقبة، وعذاب النار، وضنك العيش.
- *في ظلال القرآن، سيد قطب.*
- *تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن السعدي.*
- *الإيمان بالقرآن الكريم، د. علي محمد الصلابي.*
- *عظمة القرآن الكريم، د. محمود بن أحمد الدوسري.*
ما أجمل أن نتدبر هذا التسلسل الإلهي؛ فقد أنزل الله العزيز كتاباً عزيزاً، على نبي عزيز {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}، لأمة أراد الله لها العزة {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. فمن أراد العزة فليتمسك بهذا الكتاب العزيز.
ثالثاً: القرآن الكريم.. جامع المحامد والبركات
أقسم الله تعالى بمواقع النجوم ليعظم شأن المقسم به فقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]. والكرم في حق القرآن يعني كثرة الخير والنفع والجمال. هو كريم لأنه يعطي بلا حدود لكل من أقبل عليه بقلب سليم.
كرم القرآن يتجلى في كونه بياناً للناس، وهدىً للمتقين، وشفاءً لما في الصدور. هو مُعظم عند الله، وعند الملائكة، وعند المؤمنين. من قرأه نال الأجر، ومن تدبره نال البصيرة، ومن عمل به نال السعادة في الدارين.
رابعاً: القرآن المجيد.. شرف الرتبة وعلو الشأن
قال سبحانه: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21-22]. المجد هو السعة والشرف والرفعة. والقرآن مجيد في نظمه، ومجيد في أسلوبه، ومجيد في بركته.
لقد بلغ القرآن الغاية في الشرف حتى عجزت العرب عن محاكاته، وهو مصون في اللوح المحفوظ عن كل كيد. إن وصفه بالمجيد ينفي عنه ادعاءات المفترين بأنه شعر أو سحر، بل هو كلام الله الذي تعالت رتبته عن كل كلام بشري.
خامساً: القرآن العظيم.. النعمة التي لا تدانيها نعمة
خاطب الله نبيه الكريم ممتناً عليه بهذه العطية الكبرى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]. ثم أتبعها بتوجيهٍ رباني: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ}.
هذا الوصف يعلمنا أن من أوتي القرآن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة. إن عظمة القرآن تستوجب الاستغناء به عن زينة الحياة الدنيا الفانية. فكل نعمة مهما عظمت، فهي بجوار القرآن ضئيلة حقيرة. القرآن هو الغنى الحقيقي، وهو الشرف الباقي، والوقوف عند عظمته يورث القلب خشيةً وتعظيماً لله جل جلاله.
سادساً: البشير والنذير.. توازن الخوف والرجاء
وصف الله كتابه بأنه: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [فصلت: 4]. القرآن ليس مجرد سردٍ للقصص، بل هو رسالة تحمل الوعد والوعيد.
هذا الوصف يهدف إلى إصلاح النفس البشرية، فلا تطغى بالأمل حتى تأمن، ولا تغرق في الخوف حتى تقنط، بل تسير إلى الله بين جناحي الخوف والرجاء.
سابعاً: القرآن الذي لا يأتيه الباطل.. الحق المحض
قال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]. هذا نفيٌ قاطع لكل أشكال الخلل أو التناقض أو الزيف. القرآن حقٌ من رب الحق، صادرٌ عن علمه المحيط.
لو كان هذا الكلام من عند غير الله، لوجدت فيه العيوب البشرية من نسيان، أو تناقض، أو تأثر بالأهواء. ولكن الله عز وجل عصمه، وجعله تصديقاً لما سبقه من الكتب، وتفصيلاً لكل ما يحتاجه البشر في رحلتهم إلى الله. إن امتناع دخول الباطل إليه هو أكبر دليل على أنه تنزيل من حكيم حميد.
خاتمة: واجبنا نحو القرآن وأوصافه
إن الوقوف مع هذه الأوصاف السبعة (الحكيم، العزيز، الكريم، المجيد، العظيم، البشير والنذير، والحق الذي لا يأتيه الباطل) ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو بابٌ لتعظيم القرآن في القلوب.
إن الواجب علينا تجاه هذا الكتاب العظيم يتلخص في:
1. التعظيم: أن نستشعر جلال المتكلم ونحن نتلو آياته.
2. التدبر: ألا تمر علينا هذه الأوصاف دون أن نتفكر في معانيها وأثرها.
3. العمل: أن نحكم حكمة القرآن في حياتنا، ونستمد عزتنا من عزته.
4. التبليغ: أن نكون بشراء ونذراء بآياته كما كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله العظيم أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وأن يلبسنا به الحلل، ويسكننا به الظلل، ويجعله لنا في الدنيا قريناً، وفي القبر مؤنساً، وعلى الصراط نوراً، وإلى الجنة رفيقاً وإماماً.
المراجع المستفادة:


اترك تعليقاً