# الحذر من خطوات الشيطان: استراتيجية الغواية وحبال الهلاك
الحمد لله الذي جعل الحياء زينة المؤمنين، والعفة حصناً للمتقين، والصلاة والسلام على الهادي الأمين، الذي بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، ويحذرنا من مسالك الردى ومكائد الشيطان الرجيم، أما بعد:
إن الصراع بين الإنسان والشيطان صراع قديم قدم البشرية، وهو صراع لا يهدأ ولا يفتأ، يستخدم فيه عدو الله كل وسيلة ممكنة لإسقاط العبد في وحل المعصية. ومن أعظم أساليبه التي كشفها القرآن الكريم هي سياسة “الاستدراج” أو ما سماه الله عز وجل بـ “خطوات الشيطان”.
المنهج الرباني في التحذير من الاستدراج
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [النور: ٢١]. في هذه الآية الكريمة، يوجه الله نداءً حاراً لأهل الإيمان، يحذرهم فيه من السير خلف خطوات الشيطان.
و”خطوات الشيطان” كما يقرر علماء التفسير هي طرقه التي يدعو إليها، ويدخل فيها جميع المعاصي المتعلقة بالقلب واللسان والبدن. فالشيطان لا يأمر الإنسان بالكفر أو الزنا مباشرة في أول لقاء، بل يستدرجه خطوة بخطوة، ونظرة فنظرة، حتى يوقعه في الفخ الكبير. أما “الفحشاء” فهي ما عَظُم قبحه من الذنوب، وهو ما يسعى الشيطان لإيصال العبد إليه في نهاية مطاف خطواته اللعينة.
خطوات الشيطان: تبدأ بالحواس وتنتهي بالأنفس
لقد ذكر العلماء أن أولى خطوات الشيطان تبدأ بفتح منافذ القلب، وهي السمع والبصر. فمن أطلق بصره في المحرمات، وأرخى سمعه للألحان والكلمات الماجنة، فقد وضع قدمه على أول درجة في سلم الغواية. إن حفظ السمع والبصر هو الدرع الأول الذي ينبغي للمسلم أن يتترس به، فالعين مرآة القلب، وما يقع فيها ينطبع أثره في النفس.
ومن أخطر خطوات الشيطان في عصرنا الراهن ما يسمى بـ “المعاكسات” أو العلاقات غير الشرعية عبر وسائل التواصل والاتصال. هذه المحادثات التي تبدأ بكلمة، ثم تتطور إلى اتصال، ثم لقاء، هي من أقرب الطرق إلى الوقوع في الفاحشة. إنها باب واسع للدخول في عالم الخبيثين والخبيثات، فكم من فتاة كانت تعيش في كنوز العفة ودعت حياءها وأخلاقها بسبب مكالمة عابرة، وكم من عذراء طرقت هذا الباب باسم الحب أو الصداقة فخرجت منه ثيباً باكية تجر أذيال الخيبة والندم.
مداخل الشيطان إلى النفس البشرية
يتفنن الشيطان في تزيين البدايات، ويستخدم مداخل متعددة ليجعل العبد يخطو خطوته الأولى في طريق الانحراف، ومنها:
1. إغراء جليس السوء: كثيراً ما تبدأ المأساة بكلمة من صديقة سوء تقول: “خذي هذا الرقم وجربي، ولن يضرك شيء، إنها مجرد تسلية”.
2. تسويل النفس وتبرير المعصية: يوهم الشيطان العبد بأن المحادثة مجرد “وناسة” وتمضية للوقت، أو أنها وسيلة للتخلص من الملل، وليست طريقاً للفاحشة.
3. الغيرة والمنافسة الزائفة: حين تسمع الفتاة من جليسات السوء قصصهن ومغامراتهن، يستفزها الشيطان لتقول في نفسها: “وهل أنا أقل منهن جمالاً أو ذكاءً؟”، فتقحم نفسها في هذا المستنقع لتثبت تفوقها، فتلقي بيدها إلى التهلكة.
وفي كل هذه الحالات، هي مكيدة من العدو، ينحط بها بالرجل والمرأة دركات حتى يصل بهما إلى حيث خطط لهما من إيقاعهما في الفواحش والموبقات، ولو لم يكونا قد قصدا ذلك في بداية الطريق.
وهم السيطرة وخديعة الشاب الشريف
من أعجب ما نراه أن بعض الفتيات يسمعن بقصص الفضيحة والندامة لمن سبقوهن، ومع ذلك لا يعتبرن! والسبب في ذلك هو الوقوع في فخاخ ذهنية ينصبها الشيطان، ومنها:
- الاعتقاد بأن “صاحبها” يختلف: تظن الواهمة أن الشاب الذي تحادثه صادق وشريف وجاد في وعوده بالزواج، بينما الحقيقة أنه ماهر في خداع أمثالها، وحالما ينهي مكالمته معها يتصل بأخرى ليبثها نفس الأشواق المصطنعة.
- الثقة الزائدة بالذكاء: تقنع الفتاة نفسها بأنها هي التي تضحك على الشاب وتتحكم في العلاقة، وأنها قادرة على قطعها متى شاءت، وهذا محض وهم؛ فالشيطان يدرجها في شباكه حتى تعجز عن الخلاص.
- خديعة البراهين: ما هي البراهين على صدق هذا الشاب؟ لا شيء سوى لباقته في الحديث. فكيف يثق رجل في امرأة خانت أهلها وربها لتتحدث معه؟ وكيف يرضى بها شريكة لحياته وهو يتذكر كيف بدأت العلاقة بينهما؟
من الصياد إلى الجلاد: واقع الابتزاز الأليم
إن الذين يظنون أن المعاكسات مجرد “فسحة” يعودون منها سالمين، يجهلون طبيعة “الذئاب البشرية”. لقد برع الكثير من المعاكسين في فنون “تضبيط” الأمور وجمع الإدانات. فبمجرد أن تحاول الفتاة التوبة أو التملص، يشهر في وجهها سلاح الصور والتسجيلات.
إنها نهايات أليمة لفتيات أردن التوبة، لكن “الصياد” كان ماهراً في تكبيل فريسته. يروي أحد المصلحين قصة فتاة اتصلت تطلب حلاً للتخلص من رجل كانت لها به علاقة توقفت قبل ثلاث سنوات، ورغم أنها قطعت العلاقة، إلا أنه لا يزال يهددها بما لديه من صور، علماً أنه متزوج وله أولاد!
بل إن الأمر يتعدى ذلك، فغالباً ما يعز على ذلك “الذئب” أن يفرط في فريسته حتى لو تزوجت. تُروى قصة فتاة كانت على علاقة بشاب ثم تزوجت وسافرت مع زوجها، وعندما عادت، اتصل بها ذلك الرجل يهددها بالفضيحة أمام زوجها إن لم تستجب لرغباته الدنيئة. هكذا يحول الشيطان الخطوات الأولى إلى قيود أبدية تلاحق الإنسان في أعز ما يملك.
الحقيقة المرة: المنحرفون لم يولدوا كذلك
يجب أن ندرك يقيناً أن المنحرفين والمنحرفات ما وُلِدوا منحرفين، وإنما بدأ انحرافهم -غالباً- بأعمال يسيرة ومعاصٍ صغيرة، منها انطلقوا في مسيرة الانحراف التي قادها الشيطان، فكانت نهايتها الفواحش والمنكرات.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره: “إن الشيطان يأمر بالفحشاء وهي ما عظم قبحه من الذنوب، والمنكر وهو ما تنكره العقول والشرائع”. فمن استهان بالخطوة الأولى، وجد نفسه غارقاً في المنكر الذي لم يكن يتخيل يوماً أنه سيفعله.
كيف النجاة من خطوات الشيطان؟
إن طريق السلامة واضح المعالم، ويتلخص في نقاط جوهرية:
1. سد الذرائع: لا تضع نفسك في مواطن الشبهات، ولا تبدأ محادثة تظن أنك تسيطر عليها.
2. الاستعاذة الدائمة: اللجوء إلى الله من نزغات الشيطان، واليقين بأن الله يرى ويسمع.
3. الصحبة الصالحة: الابتعاد عن جليسات السوء اللاتي يزينّ المعصية.
4. تذكر العواقب: قبل أن تخطو أي خطوة، فكر في الفضيحة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وحرقة الندم التي لا تنتهي.
5. حفظ الجوارح: كما بدأنا، فإن حفظ العين والأذن هو صمام الأمان الأول.
ختاماً، إن الله عز وجل عندما قال {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}، كان ذلك رحمة بنا، وعليماً سبحانه بضعفنا أمام الإغراءات المتلاحقة. فالحذر الحذر من البدايات البسيطة، فإنها بذور لأشجار الزقوم التي لا تثمر إلا الندم والضياع. نسأل الله أن يحفظ عوراتنا، ويؤمن روعاتنا، ويعصمنا من فتن الشيطان ما ظهر منها وما بطن.
***
*المصدر بتصرف: إضاءات (مجموعة رسائل ومحاضرات) – المؤلف: فهد بن سليمان القاضي.*

اترك تعليقاً