سوق الثورة بأم درمان: كيف تبخرت طفرة الحرب مع عودة الاستقرار؟
شهد سوق الثورة بأم درمان مؤخراً تحولاً دراماتيكياً في نشاطه التجاري، حيث تراجعت حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية. هذا التراجع يأتي كأثر مباشر لموجة النزوح العكسي، حيث بدأ السكان بالعودة تدريجياً إلى مناطقهم الأصلية في أم درمان القديمة وسوق ليبيا، مخلفين وراءهم سوقاً كان يوماً ما القلب النابض للمنطقة.
من شريان تجاري إلى سوق محلي محدود
بعد أن كان سوق الثورة يمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً لمئات الأسر التي احتمت بالمنطقة بحثاً عن الأمان، تحول اليوم إلى مركز تجاري محلي يخدم الأحياء المجاورة فقط (مثل الثورة 59، 21، و60).
ويشير التجار إلى أن "العصر الذهبي" للسوق ارتبط بفترة ذروة النزوح، حيث كانت الكثافة السكانية العالية تضمن تدفقاً نقدياً مستمراً وحركة شرائية لا تهدأ.
تحديات تلاحق تجار سوق الثورة
رغم الهدوء النسبي في الحركة، إلا أن السوق لا يزال يعاني من عدة أزمات تعصف بالباعة والمستهلكين على حد سواء:
- ارتفاع الأسعار: تباين حاد في أسعار الخضروات والفاكهة (مثل الطماطم والمانجو) نتيجة موجات الغلاء العالمية والمحلية.
- عبء الإيجارات: تزايدت تكاليف إيجار المحلات والمساحات التجارية، مما دفع صغار التجار للانسحاب والعودة لمناطقهم الأصلية حيث التكلفة أقل.
- فقدان الأصول: الكثير من التجار، مثل موسى مختار، فقدوا ممتلكاتهم ومنازلهم بالكامل خلال الحرب، مما جعل استمرارهم في العمل مجرد وسيلة لتأمين القوت اليومي.
النزوح العكسي وأثره الاقتصادي
أدت عودة الاستقرار النسبي إلى أحياء أم درمان القديمة إلى حركة نزوح عكسية، وهو ما أفرغ سوق الثورة من قوته الشرائية الكبرى. التجار الذين استثمروا في هذا السوق خلال الأزمة يجدون أنفسهم الآن أمام واقع جديد يتسم بـ:
- انخفاض حاد في العائدات اليومية.
- الاعتماد على نظام "الدَّين" لتسيير أمور الزبائن بسبب الضائقة المالية.
- إغلاق العديد من المنافذ التجارية التي كانت تخدم الوافدين.
خاتمة: سوق الثورة كشاهد على التاريخ
يبقى سوق الثورة بأم درمان رمزاً لمرحلة استثنائية من تاريخ السودان المعاصر؛ فقد حمل أعباء الحرب والنزوح، ووفر ملاذاً اقتصادياً في أصعب الظروف. واليوم، مع عودته لوظيفته الأصلية كسوق حي صغير، ينتظر أبناؤه وتجاره فصلاً جديداً من الاستقرار الاقتصادي الذي قد يعيد صياغة مستقبل المنطقة من جديد.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً