كنز السعادة المفقود: لماذا أنت أغنى مما تتخيل؟

# كنز السعادة المفقود: لماذا أنت أغنى مما تتخيل؟

في ضجيج الحياة المعاصرة، وتسارع خطى الناس نحو الماديات، غرق الكثيرون في بحار الهموم، واستوطن القلق قلوبهم، حتى غدا الإحباط سمة بارزة في وجوه العابرين. إننا نعيش في عصر الوفرة المادية، ومع ذلك نجد أن الشقاء النفسي في أعلى مستوياته. والسر في ذلك يكمن في خلل الميزان الذي نقيس به حياتنا. لقد وضع لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قاعدة ذهبية لو طبقناها لتغيرت ملامح دنيانا، حيث يقول: «انظروا إلى من أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (أخرجه مسلم).

هذه الكلمات النبوية ليست مجرد نصيحة عابرة، بل هي لفتة عظيمة، وفكرة قويمة، وتوجيه سديد، ورأي رشيد، يمثل الترياق الشافي لأمراض النفس المعاصرة.

فخ المقارنة القاتل

إننا حينما نتأمل أحوال الناس اليوم، نجد أن أكثرهم قد أصيب بإحباط مزمن، وعاش في قلق دائم، وتلظَّى في نكد العيش؛ وما ذاك إلا بسبب نظرهم الشاخص دوماً إلى مَن هم فوقهم في السلم المادي. إن التطلع المستمر إلى ما بأيدي الآخرين، والظن الواهم بأن أولئك هم وحدهم السعداء، يجعل الإنسان يرى نفسه شقياً معدماً، فينعكس ذلك سواداً في نفسه، ويقلل من شكره لربه، ويطمس معرفته بحقيقة قدراته، مما يثبط سيره نحو المعالي.

إن السعادة، أيها القارئ الكريم، ليست سلعة تُشترى بالمال، ولا هي حكر على أصحاب القصور والمناصب. إن الإنسان يستطيع أن يعيش سعيداً، ويحيا غنياً، ولو لم يكن لديه شيء من مباهج الحياة وزينتها الزائلة؛ فالسعادة الحقيقية هي سعادة القلب، والبهجة هي بهجة النفس، وتمام النعمة يتجلى في الاستقامة على الدين، وكمال المنة يتحقق بالإيمان الصادق. إن السرور بالحياة فن، يتقنه من أحسن النظر إليها، وتعلم فن التعايش مع تقلباتها، ورضي بالقليل، وشكر على الكثير.

ثرواتك المخفية: مليارات في جسدك

قد تظن أنك فقير لأن رصيدك البنكي خاوٍ، لكنك في الحقيقة تمتلك الملايين، بل البلايين، ولكنك لا تشعر بقيمتها لأنك ألفت وجودها. فإذا أردت أن تدرك حجم ثرائك، فقف مع نفسك وقفة صدق وانظر إلى بصرك؛ هل تبيعه بملايين الريالات؟ وهل تبيع ساقيك اللتين تحملك بملايين؟ وهل تبيع سمعك، أو يديك، أو حتى قدرتك على النطق؟

تأمل في أجهزتك الحيوية؛ قلبك الذي ينبض دون توقف، جهازك الهضمي المعقد، لسانك الذي يفصح عما في مكنونك. هل تقبل استبدال أي منها بكنوز الأرض؟ كلا، لن تفعل! إذاً، أنت تملك ثروة طائلة، فأنتَ غنيٌّ ولست فقيراً، وأنت سعيدٌ ولستَ شقياً، لو أنك فقط استشعرت هذه المنن.

يقول الله سبحانه وتعالى مذكراً لنا بأصل خلقه ونعمه: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك:23]، ويقول عز وجل: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:8-10]. فليعلم المرء، مهما ضاق به الحال، أن نِعم الباري عليه جسيمة، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34].

تفاصيل صغيرة.. سعادة كبيرة

أليس من السعادة المحضة أن ينطلق المرء من بيته كل صباح معافى في جسده، سليماً في عقله، متمتعاً بجوارحه؟ إن القدرة على استنشاق الهواء العليل، والتمتع بشم الزهور العبقة، وتأمل أشعة الشمس الذهبية عند الإشراق والغروب، هي هبات مجانية لا تقدر بثمن.

تأمل في قدرتك على الكلام، وكيف تفصح عن حاجتك وتبين عما يجيش في صدرك. انظر إلى متعة سماع الأصوات الجميلة، والتقاط ترانيم الأذان، وتذوق حلاوة القرآن الكريم. يسعد المرء بقدميه السليمتين، ويديه القويتين، وحسن تفكيره، ورجاحة عقله. يسعد بتأمل الطبيعة الغناء، من طيور مغردة، وبدر منير، وجبال شاهقة، وأنهار جارية. يسعد بوجود الأهل والأحباب؛ بالأبناء والبنات، بالإخوان والأخوات، بالزوجة الصالحة، وبالوالدين الحنونين. أليست هذه كلها مفردات للسعادة الحقيقية؟

دروس من الواقع: حينما يتحدث الرضا

يحكى أن رجلاً دخل في تجارة فخسر كل ماله، وتحمل ديوناً أثقلت كاهله، فضاقت به الدنيا وغلبه الهم. وبينما هو يمشي في الطريق والغم ينهش قلبه، رأى رجلاً مبتور الساقين، يتحرك على عربة خشبية يدفعها بيديه ليعبر الشارع. فلما اقترب منه ذلك الكسيح، ناداه بابتسامة مشرقة وقال: “صباح الخير، إنه صباح جميل، ويوم سعيد أليس كذلك؟”.

يقول الرجل: “خجلت من نفسي، واستحقرت جزعي، وقلت: الحمد لله أن لي ساقين أمشي بهما، فلماذا الهم والقلق وأنا أمتلك هذه الثروة؟”. إن السعادة تكمن في تعديد النعم لا في إحصاء المتاعب، وفي النظر إلى المكاسب لا إلى الخسائر.

مدرسة النبوة في شكر النعم

لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- القدوة الأسمى في الرضا والشكر. كان يربط الحجارة على بطنه من شدة الجوع، ويمكث الشهرين لا يوقد في بيته نار، وفقد أحبابه وأصحابه، وحلت به المصائب، ولم يكن له قصر ولا رصيد، ومع ذلك أمره الله بقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة:3].

لقد علمنا صلى الله عليه وسلم أن النعمة العظمى هي نعمة الدين والإيمان، فقد نام على الحصير حتى أثر في جنبه، ولما سُئل عن كثرة قيامه حتى تفطرت قدماه قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» (البخاري ومسلم). لقد عاش أسعد إنسان، وأسعد من حوله، وهو لا يملك من حطام الدنيا فتيلاً.

حقيقة الدنيا وقيمة النعمة

إن الدنيا، مهما عظمت في أعين الناس، هي رحلة قصيرة ومرحلة عابرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء». إنها لا تستحق التحسر المر على ما فات منها.

وفي مشهد مهيب من مشاهد يوم القيامة، يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة النعيم والبؤس: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصبَغ في النار صَبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيتَ خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (رواه مسلم).

نماذج مشرقة في الصبر والشكر

1. عروة بن الزبير رضي الله عنه: حين بُترت قدمه في يوم، ومات أحب أبنائه في نفس اليوم، لم يزد على أن قال: “اللهم لك الحمد، كان لي أربعة أطراف فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، وكان لي سبعة أبناء فأخذت واحداً وأبقيت ستة، فلك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما ابتليت”.
2. هارون الرشيد والماء: طلب الرشيد شربة ماء، فقال له الواعظ: “يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة، أكنت تفديها بملكك؟” قال: نعم. قال: “فلو شربتها وحبس خروجها، أكنت تفديها بملكك؟” قال: نعم. قال: “فلا خير في ملك لا يساوي شربة ماء ولا بولة”.

كيف تستعيد سعادتك؟

لكي تعيش غنياً سعيداً، عليك اتباع الخطوات التالية:

  • القناعة بما رزقك الله: ففي الحديث: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنَّعَه الله بما آتاه» (رواه مسلم).
  • التركيز على الموجود لا المفقود: تذكر أنك تملك الدنيا بحذافيرها إذا توفرت لك أساسيات الحياة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (الترمذي).
  • شكر الله الدائم: فالشكر قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7].

إن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، والرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا. فاشكروا الله على آلائه، واقدروا نعمه حق قدرها، ولا تجعلوا تطلعكم لما عند الآخرين يسرق منكم بهجة ما بين أيديكم.

اللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمك، المعترفين بكرمك، المقدرين لجودك، السعداء بما أعطيتنا، الأغنياء بما وهبتنا، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *