الوساطة الصينية بين طالبان وباكستان: هل تنجح بكين في نزع فتيل التوتر؟

الوساطة الصينية بين طالبان وباكستان: هل تنجح بكين في نزع فتيل التوتر؟

مقدمة: تصاعد التوتر الإقليمي ودور الصين المتنامي

في ظل تصاعد التوترات بين أفغانستان وباكستان، تبرز الصين كلاعب دبلوماسي رئيسي يسعى إلى الوساطة بين الطرفين. فهل تستطيع بكين، بحكم علاقاتها المتوازنة مع الجانبين وطموحاتها الإقليمية، أن تنجح في نزع فتيل الأزمة المتفاقمة؟ وما هي التحديات التي تواجهها في هذا المسعى؟

لقاء بكين: محاولة لرأب الصدع

استضافت بكين مؤخرًا لقاءً ثلاثيًا جمع وزراء خارجية أفغانستان وباكستان والصين، بهدف بحث سبل تعزيز العلاقات ومكافحة الإرهاب. وأعربت كل من كابل وإسلام آباد عن رغبتهما في رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية، في خطوة قد تمثل بداية تهدئة محتملة. ومن المقرر عقد جولة جديدة من المباحثات في العاصمة الأفغانية، لمناقشة التطورات الإقليمية الأخيرة.

دوافع الصين: الأمن القومي والمصالح الاقتصادية

ترى الصين في استقرار الحدود الأفغانية-الباكستانية مسألة حيوية لأمنها القومي، خاصة في إقليم شينجيانغ. بالإضافة إلى ذلك، تسعى بكين إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي في المنطقة، من خلال مشاريع مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي تطمح إلى ضم أفغانستان إليه.

فتور العلاقات الأفغانية الباكستانية: جذور الأزمة

منذ سيطرة طالبان على السلطة في أفغانستان، شهدت العلاقات بين كابل وإسلام آباد فتورًا متزايدًا، بسبب اتهامات متبادلة بعدم ضبط الحدود وتوفير ملاذات آمنة لجماعات مسلحة. وتصاعدت الضغوط على كابل بعد تصاعد هجمات حركة طالبان باكستان ضد أهداف أمنية باكستانية، مما دفع إسلام آباد إلى توجيه ضربات جوية داخل الأراضي الأفغانية، الأمر الذي نددت به الحكومة الأفغانية.

الوساطة الصينية: خيار دبلوماسي لتخفيف الأزمة

في ظل تعثر المحادثات المباشرة بين كابل وإسلام آباد، لجأت باكستان إلى الوساطة الصينية كخيار دبلوماسي لتخفيف الأزمة. وتحافظ الصين على علاقات جيدة مع كلا الطرفين، وهو ما يعزز فرص نجاحها في هذا المسعى.

دلالات زيارة وزير الخارجية الأفغاني إلى الصين

حملت زيارة وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إلى الصين دلالات سياسية وأمنية كبيرة. وأكدت بكين خلال اللقاء دعمها جهود أفغانستان في تحقيق الاستقرار، وحثّت على تعزيز الحوار الإقليمي. كما ناقش الجانبان التعاون الاقتصادي، واحتمالات انخراط الشركات الصينية في مشاريع إعادة الإعمار داخل أفغانستان.

تحديات الوساطة الصينية: الاعتراف الدولي والالتزام السياسي

تواجه بكين تحديات كبيرة في مساعيها للوساطة، من أبرزها عدم الاعتراف الدولي الرسمي بحكومة طالبان، وعدم وضوح مستقبل العلاقة بين كابل وإسلام آباد، في ظل استمرار الهجمات وغياب آلية أمنية مشتركة بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد نجاح الوساطة على وجود التزام سياسي حقيقي من الطرفين، وهو ما لا يزال غير مضمون.

الصين وملء الفراغ الأمريكي: طموحات إقليمية

يرى مراقبون أن الدور الصيني لا يقتصر على وساطة بين طالبان وباكستان، بل يعكس توجهاً أوسع لبكين لملء الفراغ الذي تركه انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان. وتستفيد الصين من حيادها التاريخي في الملف الأفغاني، ومن علاقاتها المستقرة مع مختلف الأطراف، لتعزيز مكانتها كوسيط مقبول.

آفاق مستقبلية: اختبار كبير للدبلوماسية الصينية

مع تصاعد الحاجة لاحتواء الأزمة بين أفغانستان وباكستان، تبدو الوساطة الصينية خياراً واقعياً، وإن كان محفوفاً بالتعقيدات. فبين المصالح الأمنية والإستراتيجية، تحاول بكين تثبيت أقدامها في معادلة إقليمية معقدة، قد ترسم مستقبل التوازنات في جنوب آسيا خلال المرحلة المقبلة. وتبقى الوساطة بين طالبان وباكستان اختباراً كبيراً للدبلوماسية الصينية، فبقدر ما يمنح النجاح للصين في هذا المجال نقاطاً، فإن الفشل أيضاً يتسبب في تراجع مصداقيته.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *