حين يمتزج صخب الميدان بهدوء المكاتب المغلقة
هل يولد السلام من رحم الانفجار، أم أن ما يشهده العالم اليوم هو مجرد إعادة ترتيب لطلقات المدافع؟ تتجه الأنظار اليوم نحو العاصمة اللبنانية بيروت، لا لترقب غارة جديدة فحسب، بل لقراءة ما بين سطور تفاهمات نتنياهو وترمب بشأن لبنان، تلك التفاهمات التي نضجت على وقع طبول الحرب وبدأت ملامحها تتكشف للعلن، حاملة في طياتها وعوداً بالتهدئة ممزوجة ببارود التصعيد.
دبلوماسية القوة: رؤية نتنياهو وترمب
تجاوزت الرؤى المشتركة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي المنتخب حدود التهدئة العابرة، لترسم مساراً يمنح الآلة العسكرية متسعاً من الوقت لاستكمال أهدافها. يرى نتنياهو أن المفاوضات الجارية اليوم تختلف عما سبقتها طوال أربعة عقود؛ فهي مفاوضات تُخاض من موقع الاقتدار، حيث يرى أن الدول تخطب ود القوي، وهو ما يفسر إصراره على مواصلة التعزيزات العسكرية في المنطقة الأمنية جنوباً بالتوازي مع حراك المبعوثين.
وفي الضفة الأخرى، يبشر الرئيس ترمب العالم بـ "يومين مذهلين"، مشيراً إلى أن المواجهة الكبرى مع إيران تقترب من فصولها الأخيرة، مما يضفي صبغة إقليمية شاملة على أي تفاهم يخص الساحة اللبنانية.
الميدان يتحدث بلغة النار والخرائط
بينما تجتمع المجالس المصغرة في تل أبيب لمناقشة وقف إطلاق النار، يواصل الجيش الإسرائيلي رسم خطوطه الحمراء على الأرض، مهدداً بفرض منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني. إنها مفارقة السياسة حين يتحدث المبعوثون بالسلام وتتحدث المدافع بالاجتياح، حيث تبرز منطقة بنت جبيل كهدف قريب للعمليات البرية.
كلفة الحرب: أرقام لا تكذب
خلف العناوين السياسية الكبرى، ثمة أنين صامت توثقه الإحصائيات الرسمية، حيث تعكس الأرقام حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها هذه المواجهة:
- الضحايا في لبنان: قُتل أكثر من 2000 شخص منذ بدء التصعيد الحالي.
- مأساة الثامن من أبريل: أسفرت هجمات بيروت في ذلك اليوم وحده عن مقتل 357 شخصاً، بينهم 71 امرأة و30 طفلاً.
- النزوح القسري: اضطر نحو 1.2 مليون لبناني لترك منازلهم والبحث عن أمان مفقود.
- الخسائر الميدانية: أطلق حزب الله نحو 40 صاروخاً في صباح واحد، بينما سجلت إسرائيل مقتل 13 جندياً ومدنيين اثنين منذ مطلع مارس الماضي.
التجاذبات الدولية وانقسام الداخل
لا تبدو الطريق نحو الهدنة معبدة بالورود؛ فبينما تضغط واشنطن لانتزاع اتفاق ينهي العمليات القتالية، تصر طهران على أن أي حل يجب أن يكون حزمة واحدة تشمل كافة الجبهات، وهو ما ترفضه الإدارة الأمريكية جملة وتفصيلاً. وفي الداخل اللبناني، يبرز انقسام حاد؛ حيث يندد معارضون بمسار المفاوضات الحكومية مع إسرائيل، معتبرين إياها خطوة تزيد من شروخ الصف الوطني.
خاتمة: حكمة التاريخ في وجه عواصف الحاضر
إن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات التي تُكتب بمداد القوة قد توقف الرصاص حيناً، لكنها لا تقتلع جذور الصراع ما لم تُبنَ على أسس من العدل الشامل. تبقى تفاهمات نتنياهو وترمب بشأن لبنان رهينة صمود الميدان وتقلبات السياسة الدولية، وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان البسيط هو من يدفع فاتورة الانتظار من أمنه ودمه، في انتظار فجر قد يحمل السلام أو قد يكون مجرد استراحة محارب.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً