سد منيع أمام «الولاء المشروط»
هل يمكن للمال أن يشتري الانتماء، وهل تكفي العقود الضخمة لصناعة بطل يحمل علم دولة لا تربطه بها سوى لغة الأرقام؟ وضع الاتحاد الدولي لألعاب القوى حداً فاصلاً لهذه التساؤلات، حين أعلنت لجنة مراجعة الجنسية التابعة له رفض 11 طلباً لتغيير تغيير الجنسية الرياضية والولاء لصالح الجمهورية التركية. هذا القرار لم يكن عابراً، بل جاء كصرخة مدوية في وجه ما وصفه الاتحاد بـ «الاستراتيجية المنسقة» التي تتبناها الحكومة التركية لاستقطاب المواهب العالمية عبر إغراءات مالية تتجاوز مفهوم التنافس الرياضي الشريف.
وجاء في حيثيات البيان أن هذه المحاولات تدار عبر نادٍ رياضي يحظى بتمويل حكومي كامل، يهدف إلى حصد الميداليات في المحافل الكبرى، وعلى رأسها أولمبياد لوس أنجلوس 2028، دون وجود وشائج حقيقية تربط الرياضي بوطنه الجديد.
قامات أولمبية في مهب الريح
لم تكن الأسماء المرفوضة عادية في مضامير القوى، بل شملت نخبة من صفوة الرياضيين الذين تشكل نتائجهم فارقاً في خارطة الترتيب العالمي. وتوزعت هذه القائمة المرفوضة كالتالي:
- من كينيا: 5 عدائين، تتقدمهم الأسطورة «بريجيد كوسغي»، حاملة الرقم القياسي العالمي السابق في الماراثون وصاحبة فضية أولمبياد طوكيو.
- من جامايكا: 4 رياضيين، يتقدمهم «روجي ستونا» المتوج بذهب رمي القرص في أولمبياد باريس 2024، و«راجيندرا كامبل» صاحب برونزية دفع الجلة.
- من نيجيريا: العداءة المتألقة «فيفور أوفيلي».
- من روسيا: متسابقة السباعي «صوفيا ياكوشينا».
هذا الرفض الجماعي يعكس صرامة الاتحاد الدولي في تطبيق معايير الأهلية، معتبراً أن الموافقة على مثل هذه الطلبات تمس نزاهة اللوائح التي تنظم تمثيل الدول في المحافل الدولية.
فلسفة القرار: الرياضة ليست سوقاً للنخاسة
يرى سيباستيان كو، رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى، أن حماية روح الرياضة تبدأ من حماية هوية الرياضي. وقد استند الاتحاد في قراره إلى التعديلات الجوهرية التي أُقرت عام 2019، والتي جاءت لتعالج ظاهرة تحول بعض انتقالات الرياضيين الشبان إلى ما يشبه «الاتجار بالبشر».
ميثاق الارتباط الحقيقي
تؤكد اللوائح الجديدة أن الجنسية الورقية ليست كافية لتمثيل بلد ما؛ بل يجب توفر معايير إضافية تثبت وجود صلة حقيقية ومستدامة بين الرياضي والدولة. إن الهدف الأسمى هو تطوير الرياضة عالمياً وبناء أجيال تنتمي لبيئتها، بدلاً من الاعتماد على «الاستيراد الجاهز» للمواهب الذي قد يفرغ البرامج الوطنية من محتواها ويقتل طموح المواهب المحلية.
ومع هذا الحظر الرسمي، أوضح الاتحاد أن هؤلاء الرياضيين الأحد عشر يملكون الحق في:
- المشاركة الفردية في اللقاءات الدولية والبطولات التي لا تتطلب تمثيلاً وطنياً.
- مواصلة التدريب والإقامة داخل الأراضي التركية.
- التمتع بالعقود المالية المبرمة مع أنديتهم، لكن دون رفع العلم التركي في البطولات الرسمية الكبرى.
خاتمة: حين تنتصر المبادئ
إن قرار الاتحاد الدولي لألعاب القوى يعيد الاعتبار للقيمة المعنوية للميدالية، ويؤكد أن الانتماء للأوطان لا يُباع في مزادات العقود، ولا يُشترى بأرصدة البنوك. فالميدالية التي لا تعبر عن جهد وطني وبناء قاعدي تبقى جسداً بلا روح، والرياضة في أسمى تجلياتها هي انتصار للإنسان وقيمه قبل أن تكون مجرد رقم يسجل في لوحة النتائج.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً